مقالات

لعبة الاعلام

د . مظفر قاسم حسين

١٠ آب / أغسطس ٢٠١٠

يعرّف الاعلام بشكل عام تلك الوسيلة أو التقنية سواء أكانت مقروءة (صحف وجرائد ومجلات – مطبوعة أو ألكترونية -، وغيرها) أم مسموعة (اذاعات) أم مرئية (قنوات تلفزيونية أرضية أو فضائية

أو على المواقع الالكترونية، السينما، المسرح) التي تدار بواسطة مؤسسة أو منظمة ربحية أو غير ربحية رسمية أو غير رسمية عامة أو خاصة، وبما أن هذه المؤسسة (الاعلام) وسيلة لذا عادة يتم انشاؤها لتسخيرها لمحورين أساسيين الا وهما الغاية والهدف (والفرق شاسع بينهما) والخبير في الاعلام يضيف لهما محورا أساسيا ثالثا الا وهو الرؤية.

ولان الاعلام وسيلة ترتبط ارتباطا مباشرا بالتقنية لذا يمتاز بمزايا عدة أهمها أنه يتطور بتطور التقنية التي تدور عجلتها بسرعة هائلة نحو التجدد والتقدم وهذا من حسن حظ هذه الوسيلة، والاعلام أسرع وسيلة تدخل بيوتنا دون استئذان وتؤثر في الكبار والصغار نساءً ورجالا وأطفالا، له القدرة على تغيير مفاهيم وعادات وثقافات وسلوكيات بل وحتى ديانات ومذاهب فكما تعلمون ليس صعبا على أي امرء أن يغيّر طريقة لبسه او مأكله ومشربه وسيارته ومنزله ولكن أن يغيّر دينه ومذهبه أظنه ليس بالامر الهيّن أبدا ولو اجتمعت جيوش وحكومات ومعاقل ووسائل ترهيب وتعذيب لكن الاعلام يستطيع أن يفعل ذلك دون مشقة أو عناء هذا بالاضافة الى انه يستطيع أن يشعل أي انتفاضة شعبية أو ثورة ضد الحكم ويساهم في تغيير الحكومات، اذن هو سلطة له تأثيره الواضح على المجتمعات ويمكنه أن ينقل أي مجتمع من مستوى لاخر، له القدرة على بناء مجتمعات مدنيّة متطوره أو شاء أن يجعل مجتمعا ما مفككا هشا منحلا مخدرا، فالاعلام ليس بسلاح ذي حديّن كما يعتقد أو يعبّر عنه كثيرون بل هو سلطة فالامر محصور بكيفية استخدام تلك السلطة ليس الا، وكيفية الاستخدام تلك هي .. اللعبة ..

وللأسف لايجيد الاعلام العربي تلك اللعبة (وخاصة الاعلام العراقي كما سيأتي شرحه لاحقا) فالاعلام العربي بصورة عامة لم يرتق بعد الى الاعلام الغربي (ليس كل الاعلام الغربي مقياسا ولكن قياسا بالمؤسسات الاعلامية الغربية العتيدة والهادفة) لاسباب يطول ذكرها ولكن من أهم تلك الاسباب أن الاعلام العربي لم يهضم بعد المحاور الثلاثة الاساسية الخاصة بالاعلام (الغاية، الهدف، الرؤية) هضما تاما اضافة الى ان أغلب الاعلام العربي قد يكون تائها بين هذه المحاور أو قد لايأخذها بنظر الاعتبار أو أنه يدور في فلك محور واحد أو محورين فقط .

قد تظن بعض المؤسسات الاعلامية العربية أنها تسير وفقا لهذه المحاور ولكن حين تخضع ما تقدمه من اعلام للدراسات والتقييم ترى بأنها بعيدة كل البعد عن هذه المحاور، كذلك فان الانظمة العربية الحاكمة لها دور كبير في رسم ملامح الاعلام العربي لما تخشاه تلك الانظمة من فقدان لكراسييها وسلطتها والا كيف تفسّر بأنك لن تجد اعلاما عربيا واحدا يتجرأ نقد (وليس انتقاد) حاكم عربي واحد في حين تجد الاعلام الغربي يصول ويجول ويسخر من رؤسائه على الهواء مباشرة دون حساب أو عقاب فالاعلام العربي مسخـّر تماما إما لخدمة الحاكم أو لتبجيله وتعظيمه أو عليه ان لايقترب من الخطوط الحمراء اطلاقا بمعنى .. إنْ لا تمدح فلا تذم.. كي تكون بمأمن ولتستمر مؤسستك الاعلامية.. يشارك أيضا في رسم الاعلام ثقافة المجتمع نفسه فكلما كان المجتمع يتمتع بدرجة عالية من الثقافة والتقدم والرقي كان اعلامه متقدما فالمجتمع المتقدم يرفض اعلاما بذيئا متخلفا غير هادف وبذلك يفرض على الاعلام بأن يكون بالمستوى المطلوب.

مسألة أخرى جديرة بالذكر لايوجد لدى العرب اعلام مستقل بتاتا وكل صاحب مؤسسة اعلامية عربية يظن أو يدّعي بأن مؤسسته الاعلامية مستقلة فهو مخطيء تماما، وبصراحة نقول لايوجد اعلام عربي مستقل على الاطلاق والسبب في ذلك لايعود الى خلل في صاحب المؤسسة او في المؤسسة ذاتها وانما هذا النوع من الاعلام صعب الوصول اليه في منطقتنا العربية طالما تمويل المؤسسات الاعلامية تتكفل به حكومات (غربية وعربية) ومن بعد التمويل رأس هرم القيادة الذي يرسم سياسة المؤسسة الاعلامية بالاضافة الى الاسباب المذكورة آنفا، نعم من حق المؤسسة الاعلامية أن تقول بأنها تحاول أن تكون مستقلة فهذا القول يحترمه الجميع دون أدنى شك أو على الاقل أن تبتعد عن موضوعة الاستقلالية وأن تلتزم بنهجها تطبيقا لغايتها وهدفها ورؤيتها ولكن أن تقول بأنها مستقلة فهذا القول سينعكس عليها سلبا بصورة مضاعفة، ومن يتمسك بقوله بأنه يقدّم اعلاما مستقلا فهذا كمن يطـّبق مقولة كذّب كذّب حتى يصدقك الاخرون ولكن هذه المقولة لن تجدي نفعا مع الاعلام فالمشاهد ليس ساذجا لدرجة انه لايميّز بين الاعلام المستقل وغير المستقل.

أما الفضائيات والقنوات التلفزيونية الارضية فلم يقدم الاعلام العربي من خلالها برامج حقيقية هادفة قوية وجريئة جدا وكل ما موجود من برامج تبقى خجولة مهما بلغت جرأتها كما يفتقر الاعلام العربي الى البرامج التثقيفية الحقيقية اما البرامج الحوارية او برامج الـ (Talk Show) العربية فتركّز غالبا على المظهر لا على الجوهر الا ماندر جدا من البرامج الحوارية الهادفة، حتى طريقة التقديم العربية مازالت منطوية على نفسها رتيبة ثقيلة مكبّلة نوعا ما إمّا بسبب طريقة التقديم أو ضعف الاعداد بما فيه من عدم اختيار الشخصيات الكافية أو المناسبة لتغطية محاور البرنامج فضلا عن سياسة المؤسسة الاعلامية التي تفرض قيودها على مقدمي تلك البرامج يضاف الى ذلك الارض التي تحتضن الفضائيات فكل دولة (عربية)لها قوانينها التي لاتسمح للفضائيات بأخذ كامل حريتها فربما تواجه مضايقات أو عقوبات قد تصل الى الابعاد من تلك الدولة العربية ولكن لو كانت تلك الفضائية على أرض أجنبية فذلك يعطيها زخما قويا لان تكون أكثر تأثيرا وقوة.

الاعلام الناجح هو الاعلام الذي يعكس وينقل معاناة المجتمع ويعبّرعن طموحاته ورغباته واحتياجاته ويحل مشكلاته وأن يدور في فلك المجتمع لا في فلك آخر وأن يضيف لمتابعيه كل ماهو مفيد وليس تهريجا ويكون حلقة وصل بينه وبين باقي المجتمعات الاخرى والحكومات المسؤولة عن قيادة المجتمع فهي المسؤولة عن رعيتها ولكن وكما تعلمون جيدا فان المجتمعات العربية هي في خدمة الحكومات وليس الحكومات في خدمة المجتمعات كما هو الحال في المجتمعات الغربية ولن يتغير حال المجتمعات العربية الا بعد ثورة ديموقراطية عارمة تقودها تلك الشعوب لتعيش حرة كريمة، لذا الاعلام الناجح باختصار هو الاعلام المتكامل من كل جوانبه الغاية،الهدف،الرؤية، نوعية البرامج بالاضافة الى جودة التقنية من اشارة وأجهزة بث واستوديوهات متكاملة وغرافيكس وطريقة تقديم ومونتاج واخراج وغيرها.

بعد التغيير الكبير بالعراق في أبريل/نيسان عام 2003 بدأت ثورة الاعلام العراقي بالغليان والهيجان والانفتاح بعد ان كانت مكبّلة لاعوام طويلة ورغم كثرة المنتقدين لهذه الثورة الا انها تعتبر حالة صحية وانطلاقة جديدة لاعلام يُعد الاقدم والاعرق في المنطقة العربية على الاطلاق فهي حالة طبيعية يمكن تشبيهها بالبركان لهذا لم تكن الفضائيات العراقية تسيرعلى نهج واحد محدد بل غيّرت نهجها مرات عدة فاصدقاء الامس أصبحوا أعداء اليوم والعكس أيضا والعراقيون يقسّمون الفضائيات العراقية باحتراف بالغ ويضعونها في خانات محددة ويعلمون علم اليقين بأنه لاتوجد فضائية عراقية مستقلة على الاطلاق لغاية هذه اللحظة على الرغم من أن الاعلام العراقي يمتلك أرضية خصبة لانشاء اعلام مستقل فالحرية والديموقراطية التي يتمتع بها العراقيون لاتوجد مثلهما على أي أرض عربية أخرى ولكن الاخطاء المتكررة التي وقعت فيها الفضائيات حجبتها عن هذه النعمة وليس سهلا على الفضائيات العراقية الان أن تكون مستقلة بعد أن طبعت بصماتها في ذهن المشاهد مهما حاولت فهذا الامر بحاجة الى وقت طويل كي تؤدي رسالة جديدة حيادية وتعيد بناء الثقة والوقت مناسب جدا لانشاء فضائيات عراقية جديدة يمكن أن تكون مشاريع اعلامية جديدة مستقلة تستفيد من الاخطاء التي وقعت فيها الفضائيات الحالية التي لم تعبّر تماما عن مأساة الشعب العراقي ولم تنقل المجتمع الى حال أفضل من خلال برامج حقيقية هادفة تضغط فيها ضغطا مستمرا قويا على الحكومات فلو لاحظنا أن البرامج الحوارية تناقش قضية ما ثم تنتقل الى قضية أخرى وهكذا ويتم نسيانها ويبقى الحال كما هو عليه وبعد فترة يتم اجترار القضايا ذاتها دون فائدة، العراقيون بحاجة الى برامج كبيرة وقوية تتناسب مع واقعهم وحالهم والاصح أن تناقش قضية ما باستمرار الى أن يتم أصلاحها من قبل أصحاب القرار ثم تنتقل البرامج الى القضايا الاخرى لتعالجها فقطرة المطر لا تكسر الصخر الا بالتكرار والاعلام العراقي تحديدا يجب أن لايكون شبيها بالاعلام العربي لان الدول العربية لاتمرّ بذات الظروف التي يمرّ بها العراق حاليا والا أين دور الاعلام العراقي في قضايا مثل تأخر تشكيل الحكومة، الفساد الاداري والمالي، البطالة، الامن، الاعمار، الفقر، التدخلات الخارجية، تنظيم الثروات، الدستور، النظام، البنى التحتية، الخدمات، اليتامى، الارامل، أهالي الضحايا، الاطفال الذين هم عماد المستقبل وغيرها من القضايا ؟ فلو كانت قضية واحدة من هذه القضايا في أي بلد أجنبي لاقام الاعلام الغربي الدنيا ولن يقعدها الا بعد أن يحقق هدفه، نعم هناك برامج كثيرة طرحت هذه الموضوعات على طاولة النقاش ولكن هل من جدوى؟ هل ساهمت فعلا في حل أي قضية مما ذكر ؟ هل توصلت الى نتائج ايجابية ؟ الجواب كلا طبعا بل مجرد حوار يدوم لدقائق وانتهى الامر ثم يقول المشاهد (أنتم تكلمتم الان فما الذي سيتغيّر ؟ .. لاشيء)، أهذه هي السلطة الرابعة ؟ أين قوتها ؟ أين تأثيرها؟ السلطة التي لاتحرّك الشارع ليس بسلطة والاعلام الذي لايحرّك القاعده الشعبية أو أصحاب القرار ليس باعلام بتاتا، لهذا لم تـُجد وسائل الاعلام العراقية .. لعبة الاعلام

كي ينصلح حال الاعلام العراقي حان الوقت لرجال الاعمال وأصحاب الثروات ممن يمتلكون تاريخا نظيفا للدخول الى هذا المجال ويساهموا بانشاء فضائيات عراقية جديدة أو البدء بانشاء فضائية واحدة على الاقل تمويلها عراقي 100% تسير وفق النهج المذكور آنفا كي لايتم فرض سياسات خارجية عليها وتبدأ باعداد برامج حقيقية تساهم في تغيير حال العراقيين الى الافضل وتساهم في بناء عراق جديد وخلال فترة وجيزة ستلمس هذه الفضائيات الجديدة التفاف الشارع المتعطش لمثل تلك الفضائيات حولها يديرها أصحاب خبرة عالية في مجال الاعلام تساندهم مجموعة من الاستشاريين من اختصاصات مختلفة مثل، علم النفس، علم الاجتماع، التعليم،الهندسة، الاقتصاد، الحقوق، الصحة وغيرها من الاختصاصات على أن تؤسس على أرض تكفل حرية الاعلام التامة كما هو الحال في أوروبا أو بريطانيا وتستطيع فتح مكاتب لها في بلدان عربية، واذا ماطبقت هذه الفضائية ماطرح هنا مع أسس وتوصيات أخرى لم نطرحها هنا كي لايطول المقال أكثر ستربح هذه الفضائية الشارع العراقي وسيربحها الشارع أيضا بالاضافة الى أنها ستجني أرباحا كبيرة وهذه فرصة ماسيّة لرجال الاعمال لان يدخلوا مجال الاعلام لتحقيق هذه الاهداف من أجل العراق وسنرى في نهاية المطاف بأن رجال الاعمال – اذا ما طبقوا ماتقدم لانشاء فضائية عراقية مستقلة – فسيكونون هم من يجيد … لعبة الاعلام.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق