مقالات

صابون عراقي

د مظفر قاسم حسين

١٩ شباط / فبراير ٢٠١٤

جلس صاحبنا في زاويته المفضلة وقت خلوته ينتظر شاي العصر العراقي بنكهة الهيل من يد زوجته العزيزة، وما إن وصل “إستكان الشاي” تناوله بيده وبدأ يرتشف الشاي بهدوء تام مثبتا نظرات عينيه نحو الارض يفكّر في حلّ لغز عدم إتفاق السياسيين في العراق ، رغم ان أغلب أطياف الشعب متفقة ومتفاهمة تماما يحيّره كثيرا عدم اتفاق الكتل السياسية منذ عام 2003  ! السبب الاول والرئيس في عدم استقرار العراق، وأخذ يسأل نفسه … أين السّر يا ترى ؟ .. وبينما يفكر صاحبنا بحلّ اللغز قطع ولده الصغير خلوته حين أتى اليه مناديا : بابا .. بابا .. أنظر ماذا تعلمنا اليوم في درس العلوم .. لقد قام معلم مادة العلوم بتجربة علمية أمامنا .. أنظر بابا هذا قدح فيه ماء وهذا قدح آخر فيه قليل من الزيت .. أنظر سأضع الزيت في قدح الماء وأنظر ماذا سيحصل  … أنظر بابا لقد طاف الزيت ولم يختلط بالماء ، حتى لو حركنا الماء والزيت بالملعقة هكذا فانهما لن يختلطا أبدا … أعجب صاحبنا بهذه التجربة العلمية فراح يسأل ولده الصغير … وهل قال لكم المعلم لماذا لم يختلط الزيت بالماء ؟ ، فأجاب الولد : نعم يا بابا ، يقول المعلم إن الماء والزيت لن يختلطا بسبب اختلاف الخواص الكيميائية والفيزيائية لهما وكذلك بسبب الكثافة وقال إن خواص الزيت تكره خواص الماء وخواص الماء تكره خواص الزيت لذلك لا يختلطان … ولكن يا بابا قال المعلم بأنه سيبيح لنا سرا في الحصة المقبلة وهذا السّر يجعل الزيت والماء يختلطان !….

هنا انتبه الاب قائلا : وهل قال لكم المعلم بأنه يمكن أن يختلط الزيت بالماء … وكيف ؟

الولد : نحن أيضا ننتظر الحصة المقبلة بلهفة كي نتعرّف على السّر وقال فكروا بالامر .

الاب: ومتى حصتكم المقبلة؟.

الولد: الاسبوع المقبل.

الاب: ماذا ؟ الاسبوع المقبل ؟ هيا يا ولدي سنذهب الان الى بيت المعلم لانني أريد أن أعرف السّر هذا اليوم!

وفعلا إصطحب صاحبنا ولده وذهبا الى بيت المعلم ، وفي الطريق أخذ يفكر مع نفسه بأن الوضع في العراق شبيه بهذا الامر وأخذ يقول يبدو أن هناك “كتلا سياسية زيتية “وأخرى “مائية “! لذلك لم تختلط هذه الكتل لاختلاف “خواصها” ولكن مادام المعلم قال هناك أمر يجعل  اختلاط الزيت والماء ممكنا فمعناه أن الحل موجود وما هي الا دقائق تفصلني عنه.

كاد الزحام والطريق ونقاط التفتيش “السيطرات” يحطم أعصاب صاحبنا الا أنه وصل سالما الى بيت المعلم … طرق الباب بهدوء … وإذا بالمعلم يفتح الباب بنفسه مرحبا بهما ، وطلب صاحبنا من المعلم أن يخبره بسّر خلط الزيت بالماء فابتسم المعلم طالبا منهما التفضل داخل داره ، وفعلا أحضر المعلم قدحا فيه ماء وصب الزيت فوقه واذا بالزيت يطفو وهنا صاح صاحبنا هذه عرفناها الان قل لي كيف تستطيع أن تخلطهما، فأخرج المعلم مادة الصابون فوضعها في القدح ثم حرك الخليط بملعقة واختلط الزيت بالماء تماما … إنبهر صاحبنا  مبتسما  وقال .. الآن عرفت الحل في العراق … تفاجأ المعلم من قول صاحبنا مستفهما منه  وما علاقة الزيت والماء بالعراق؟ فقال صاحبنا … منذ 2003 والكتل السياسية غير متفقة تماما مثل الزيت والماء ذلك بسبب اختلاف الخواص ونسبة الكثافة للماء والزيت ، وحال الكتل السياسية  كذلك لانها وإن كانت عراقية لكن يبدو أنها تختلف ايضا “بالخواص” وحتى ربما بنسب “الكثافة” فهناك “كتل سياسية زيتية” “وكتل سياسية مائية”  ولذلك  نحن بحاجة الى “كتل سياسية صابونية” كي تنجح في مزج جميع الكتل ويخرج الشعب من دوامة التناحر السياسي لتبدأ عملية بناء دولة حقيقية على مسار صحيح وسليم لينعم الشعب بالراحة والتقدم … ولكن من أين سنحصل على هذه “الكتل السياسية الصابونية” أو الشخصيات التي ستعيد تشكيل المشهد السياسي العراقي بالاتجاه الصحيح؟ … السّر إذن .. نحن بحاجة الى “صابون عراقي” ، هل تعلم لماذا ، لان هذه “الكتل الصابونية “لها فائدتان ، إما أن تنجح في مزج الكتل الزيتية بالكتل المائية وهذا ما نصبو اليه ، وإما أن يغسل هذا الصابون جميع الكتل ويريحنا منها ومن همها وشرها … ضحك المعلم وصاحبنا الذي قرر شكر المعلم ليعود الى بيته ، وعند الباب قال المعلم لصاحبنا … ولكن … إحرص على أن يكون الحل محصورا بالصابون العراقي فقط  … ولا تقبل بالصابون الاميركي أو التركي أو الايراني أو العربي … صابون عراقي !

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق