مقالات

سؤال وجواب

د مظفر قاسم حسين

آذار / مارس 2007

بعد أن ودّعت دبي التي قضَمَتْ من حياتي قرابة تسعة أعوام من الغربة قضيتها في عملي كمهندس واعلامي ، يبدو أن القدر ارادني ان اكمل غربتي هذه بلندن (مدينة الضباب) بعد ان استقريت فيها مؤخرا والتقيت باصدقاء كانت خطوط الهواتف الرابط الوحيد بيننا , وبينما كنت جالسا ذات مرة بين قرابة أربعة أراهط من الرجال بأعمار مختلفة كنا قد تجمعنا لأداء واجب ما ، وهنا أكاد أجزم قاطعا ما من جلسة عراقية نسائية او رجالية الا وكان الشارع العراقي والاحداث التي تجري فيه محورا من محاور الحديث ، وكلٌّ يدلو بدلوه في الجلسة ومن الصعب جدا أن تجد متحدثا واحدا يكمل جملته الاّ وتجد اكثر من مقاطع لحديثه ، وهكذا يتكلمون دون قيود او شروط فمنهم من يسيطر على اعصابه دون الانفلات ومنهم من يكاد ان ينفجر من غيضه وحرقته والادلة التي يسوقها في حديثه لاقناع الطرف الاخر دون جدوى ، فنحن العراقيين يصعب جدا على الكثيرين منّا ان نقتنع برأي الاخر بل نتمسك برأينا لأخر لحظة ومنّا من يلتزم الصمت للمجاملة فقط كي لا تتطور الجلسة الى نزاع او يشوبها شيء من الزعل لتبقى حبالُ المودة ممدودةً بينهم فما لهم من بديل آخر ليقضوا هذه الغربة مع بعضهم البعض , أعود لجلستي التي بدأ فيها الحديث عن الخلافات والقتل والارهاب بالعراق وبدأ الناس يتكلمون عن الاوضاع ومما زادني غبطة في تلك الجلسة أن الحاضرين فيها عراقيون من قوميات ومذاهب مختلفة وبدأ الحوار هادئا كالمعتاد وأخذ يسخن ثم يسخن بدخول أطراف أخرى من الجالسين وما كان مني سوى أن أراقب المتكلمين بنظرات عيني وأقرأ ما بين السطور ، فمنهم من يدافع عن قوميته وآخر من يدافع عن مذهبه وآخر يدافع عن رموز سياسية وآخر ينتقدها وهكذا يتكلمون بحرية تامة فهنا بلندن كما يقال ( free country ) تستطيع ان تقول ما تشاء دون خوف أو تردد ، وبدأ النقاش يحتدم لدرجة تعدد أقطاب الحوار والفِرق وأنا مكتفٍ بالنظرات لكنني أحسست بأحد الاقطاب وهو رجل كبير السن ينظر اليّ بين الفينة والاخرى وهو يرّد على الاخرين في محاولة منه لاقحامي في الحديث معهم لكنني تمسكت بالصمت وبقيت عينا الرجل لا تفارقني اثناء كلامه ، والصمت لا يفارقني كذلك فقد تعودت أن لا أدخل في حوار دون ان يوجّه سؤال اليّ مباشرة كي أجيب السائل ويبدو ان الرجل فهم طبيعتي فبعد ان تعبت عيناه وتعب لسانه وحاول جاهدا اشراكي في الحديث قرر ان يسألني مباشرة فقال اثناء كلامه : استاذ مظفر لماذا انت ساكت

فأجبته مبتسما : وماذا أقول ياسيدي الكريم ؟
فقال : رأيك ياأخي .. أنت اعلامي .
فقلت : بماذا بالضبط فقد تحدثتم في موضوعات عديدة.
فقال: دعني أسألك؟
فقلت بابتسامة: تفضل سيدي ويبدو سنكون في برنامج أن تسأل ونحن نجيب … فضحك الحاضرون ..
فقال: ماذا تسمي الذي يجري في العراق ؟.
فقلت: الذي يجري بالعراق ياسيدي مأساة سببها الحكومة والجار والشعب.
فقال: وما دخل الحكومة في ذلك؟.
فقلت: أولا يجب ان نتخلى عن مرض تأليه الشخصيات والرموز كي نستطيع ان نتحاور.
فقاطعني: يعني انت تقبل يلقون القبض على السيستاني ؟
فقلت: لو يثبت على السيد السيستاني بأنه عمل او يعمل ضد العراق فأنا مع توقيفه ومحاكمته…فماذا تقول؟
فقال مستغربا: معقول ؟!.
فقلت: نعم معقول ياسيدي الكريم لانني مع العراق ولا أريد من يعمل ضد العراق كائنا من كان..واعلم سيدي انني قلت هذا لانني واثق تمام الثقة من نهج السيد السيستاني بأنه نهج واضح ويصب في مصلحة كل العراقيين بمختلف قومياتهم ومذاهبهم ولو اتيح الحديث للسيد السيستاني لقال ما قلته أنا بالضبط لأن السيد السيستاني يحث العراقيين على الالفة والتلاحم فيما بينهم فكيف لي ان اتصور بأنه يعمل ضدهم وهو مرجع ديني كبير ؟ لكنني اقولها مرة اخرى لو تثبت ادانته فأنا مع توقيفه ومحاكمته …ولكن…ولكن ياسيدي… لو ثبتت الادانة ضد شخصيات ورموز اخرين من مذاهب اخرى فهل تستطيعون تقديمهم الى العدالة او تستطيع أن تقول انت بحقهم كما قلت انا بحق السيد السيستاني؟
فقال: لا أستطيع الاجابة على هذا السؤال.
فقلت: هذه هي مشكلتنا ياسيدي…مرض تأليه الشخصيات وتقديسهم وتفضيلهم على العراق… ولكن عفوا ياسيدي الكريم لو كان العراق عندك أولا لما أجبتني هذه الاجابة.
فقال: يعني انت مستعد ان تسلم من تحب الى العدالة ؟
فقلت: اذا ثبتت ادانة من أحب فوالله اسلمه الى العدالة وانا مرتاح الضمير مهما كانت درجة قرابة هذا الشخص لانه سيضر عراقيين فكيف لي ان ارضى ذلك؟ ورسول الله (ص) قال ( لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )..فهل أحب أن يقتلك أخي مثلا؟
فقال : لا طبعا.
فقلت: لو قتلك أخي هل تظنني سأسكت مثلا؟
فقال: لا طبعا.
فقلت: هذه هي مشكلتنا يا سيدي الكريم.. المسألة ليست سنة وشيعة وعربا وكوردا وتركمانا وصابئة وكلدوآشوريين كما كنتم تتحدثون قبل قليل … دعني اضرب لك مثلا بسيطا ، عندما كنت طالبا بكلية الهندسة ببغداد وبالتحديد في الايام الاخيرة من عام التخرج كان لي صديق أعزّه كثيرا منذ أربعة أعوام ونكاد لا نفترق ، رأيته ذات يوم حزينا منعزلا فسألته عن السبب فقال (وفاة والدي) فعزيته فطلبت منه عنوان المأتم لنحضره وإذا به يقول في الكنيسه الفلانية فعرفت انه مسيحي … من منّا ياسيدي كان يسأل عن مذهب وديانة الآخر؟ بل كنا نعتبره عيبا كبيرا …هل تعلم ياسيدي أنني قضيت قرابة ثمانية وعشرين عاما من عمري بين أمي وأبي واخوتي ببغداد أقسم أنني لم أسمع لفظة سني او شيعي او عربي او كردي من فم اي أحد منهم ؟ وما سمعت بهذا الشيء الا بعد مغادرتي العراق ودخولي دولة الامارات العربية المتحدة حيث سألني بعض الاشخاص عن مذهبي… ياسيدي الكريم اذهب الى شوارع العراق واسأل هل من شارع يخلو من تعدد الطوائف والقوميات؟…اذهب الى صفوف المدارس والمعاهد والكليات واسألها هل تخلو من تعدد الطوائف والقوميات ؟ وأخشى ياسيدي الكريم أن يأتي اليوم الذي تخصص فيه مدارس ومعاهد وكليات لكل طائفة وقومية بصورة منفصلة..وأن تكون شوارع للسنة وشوارع للشيعه وشوارع للكورد وللتركمان وللصابئة وللكلدوآشوريين وتقسم شوارع وأزقة (ودرابين ) العراق الى قوميات وطوائف ونقرأ ( عكد السّنة) (وعكد الشيعة) … وهنا قاطعني الرجل المسن بسؤال حيث قال: ومارأيك بالحكومة الحالية ؟
فقلت: رأيي … هناك وجوه يجب أن تغيب عن الشارع العراقي ليعود الامن والاستقرار لربوع العراق.
فقال: هل هم سنة ام شيعة؟
فقاطعته قائلا: عفوا عفوا سيدي الكريم لا أحب مقاطعتكم لكنني سأريحكم بجوابي … الوجوه التي عنيتها هي وجوه تصرّح في الاعلام العربي والعراقي بتصريحات ضد العراق ، ووجوه لها اجندات مع دول أخرى ضد العراق ، ووجوه ترأس جماعات مسلحة تقتل وتفتك بالعراقيين الابرياء ، ووجوه تزرع الفتنة بين العراقيين ، ووجوه في الصباح تجلس على كراسي مجلس النواب وفي المساء تنشغل بتخطيط وتنفيذ قتل وخطف العراقيين…أما لمعرفة هذه الوجوه فأكتفي بالقول ( الحليم تكفيه اشاره).
وهنا قال صاحب الدار وهو ينظر الينا …. (اخوان العشاء جاهز).
فقلت بروح الدعابة والنكته : (اذا الاستاذ جاهز للعشاء فأنا جاهز) …
فضحك أغلب الحاضرون وتوجهنا الى مائدة الطعام ، وبينما كنت مع الاخرين لتناول الاطباق واذا بنفس الشخص وهو بجانبي فرأوه فقالوا له (( ها ابو فلان خلي الرجال ياكل )) فضحكنا فقال لي : لاتزعل مني .
فما كان مني الا وأن احتضنته وقبلتّه من رأسه فقلت له : كلا يا عم… الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية .. أليس كذلك؟

فابتسمنا وانتهت فقرة السؤال والجواب…. على خير والحمد لله.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق