مقالات

رحلتي الى العراق .. كيف لايثور المسحوقون ؟!

د مظفر قاسم

تموز/يوليو 2010

ذهبت الى العراق في شهر مايو/آيار من هذه السنة 2010 لزيارة الاهل والاصدقاء وقضاء الاجازة السنوية هناك بعد أن زرته في نهاية 2006 ، كانت مشاعري خارجة عن السيطرة فكنت متلهفا للوصول الى بلدي الذي عانى ما عانى من ويلات ودمار وسفك للدماء بحيث أصبح بين مطرقة الارهاب وسندان الفساد الاداري والمالي الذي سرق قوت الشعب وسلبه حقوقه وجعل الخدمات فيه تصل الى أدنى المستويات ، صور العراق قبل 2003 قد ضاعت ملامحها حين زرته في 2006 فبدأت أتساءل وأنا في طريقي اليه كيف هو العراق في 2010 ياترى ؟ وكيف حال العراقيين بعد اكثر من سبعة ِ أعوام من تغيير النظام فيه ؟ ولا أخفيكم سرا فقد كنت متفائلا جدا فالمنطق يقول ان الحال يجب أن يتقدم نحو الافضل ولو زحفا والاخبار التي تبث من على شاشات الفضائيات سواء الحكومية منها أو الخاصة تنقل أخبارا سارة عن السيطرة الامنية والاعمار والخدمات حيث يظهر مسؤولون ليصرّحوا بأنفسهم عن (انجازاتهم الكبيرة رغم الظروف الصعبة) كما يعبّروا عنها ، أو تبعث المكاتب الاعلامية للوزارات ببريدها الالكتروني الى وسائل الاعلام المختلفة كي تصل الى أكبر قدر من الناس فيحصل المسؤول بذلك على سمعة طيبة متهيئا للانتخابات المقبلة… على أي حال .. وصلت الى العراق وتحديدا الى بغداد .. فأذا ببغداد أقل مايقال عنها أنها ليست ببغداد ، لم أصدق ذلك اطلاقا ,, بغداد ضاعت ملامحها ,, والجدران الكونكريتية تكاد تغطي بغداد ، على ذكر الجدران الكونكريتية فقد كثر الحديث في العراق على أن كل قطعة جدار كونكريتي صغير في العراق تقدر بحوالي 500 دولار أميريكي وفي شارع صغير توجد حوالي مئة قطعة على الاقل وأن المعمل الوحيد الذي يبيع هذه القطع تابع الى السيد جلال الطلباني رئيس جمهورية العراق وأتساءل كأعلامي هل هذه المعلومات صحيحة؟ ولن ينقطع الشك الا برّد من مكتب السيد رئيس الجمهورية .. وعند وصولي الى بغداد أتصلت ببعض الاصدقاء كان بضمنهم أعضاء من مجلس النواب تربطني بهم علاقة بحكم طبيعة عملي كاعلامي وكنت انوي أن أحصل على اجابات مباشرة منهم كسؤالي لهم لماذا هذا الدمار والخراب ؟ ولماذا هذا التأخير في تشكيل الحكومة ، سألت أحدهم مباشرة(كان هذا في بداية شهر آيار / مايو 2010 ) .. متى ستشكل الحكومة ياسيد … (فلان) … فقال لي بالحرف الواحد .. ( دكتور ان شاء الله في الشهر الثامن تشكل الحكومة ) .. حقيقة صعقت في حينها فقلت له : بعد ثلاثة شهور ؟! هل أنتم متفقون على هذا أو ماذا ؟ فقال: ( في الحقيقية الطريق الذي نسير فيه مخطط له أن يتم تشكيل الحكومة في الشهر الثامن وتستطيع أن تقول بانه اتفاق لكنه ليس ظاهريا) .. في حينها كان يمكن أن يكون هذا الخبر عاجلا على شاشات الفضائيات ليتم بعدها مناقشة الامر في برامج حوارية لكنني كتمت الامر في نفسي ولم أصرّح به وها نحن نصل الشهر الثامن ويبدو أن كلام السيد(فلان) كان صحيحا ودقيقا !
كيف هو العراق الان ؟ .. سأكون هذه المرة أكثر جرأة في كتاباتي لما وجدت من مرارة هناك ، العراق عبارة عن خربة ، تشعر وأنت تسير في شوارع بغداد وكأن المنازل تبكي بل العراق كله يبكي ويأن ، أهذا هو العراق ؟ تفاجئت كثيرا كيف يرضى العراقيون أن يعيشوا في هكذا حال وهم صامتون؟ كأنهم أحياء أموات ، الناس يعيشون خارج الزمن وكأن العراق على كوكب آخر قد أكتشفت عليه الحياة توا خراب في خراب ودمار في دمار والانسان تائه ضائع ينتظر صاحبة السمو والجلالة (الكهرباء) كي ينعموا بقليل من الضياء والهواء البارد (لمن يملك أجهزة تبريد) والمصطلحات (مولدة ، وطنية ، خط ، سحب) تكاد لاتفارق ألسنة الصغار والكبار ، سرت في شوارع بغداد ليلا في مناطق كانت الكهرباء فيها غائبة تماما شعرت حينها وكأني أسير بين القبور وكأن أهالي العراق في عالم البرزخ ، حتى وجوههم تراها تعبة مصفرّة، حائرون بلقمتهم ومعيشتهم … أروي هنا حادثتين صغيرتين ، سألت بعض المقربين كيف لي أن أجدد رخصة القيادة المنتهية فابتسموا مستغربين من سؤالي فأجابوا : وهل تعتقد أن هناك اصدارا جديدا لرخص القيادة بعد عام 2003 ؟ فاستغربت قلت كيف يقودون المركبات اذا ؟ فقالوا لاتوجد رخص قيادة قد أي مركبة شئت .. فقلت أقودها هكذا دون رخصة؟! فقالوا بكل ثقة .. نعم.
الحادثة الاخرى فكرت في أن أزور كلية الهندسة التي تخرجت منها كي ألتقي بأساتذتي الافاضل وأتعرف على أحوالهم وأخبارهم فسألت بعض المقرّبين كيف لي أن أحصل على رقم هاتف الكلية هل يوجد رقم خاص أتصل به كي أحصل على رقم الهاتف كما كان سابقا ؟ فقالوا كلا طبعا ! فلم أصدقهم قلت لهم مستحيل بالتأكيد يوجد رقم خاص لكنكم قد لاتعرفونه ، فقررت أن أتصل برقم تابع لشركة هاتف متحرك عسى أن يرشدوني لرقم ما وفعلا اتصلت فأجابتني فتاة تعمل هناك فسألتها : لو سمحتي كيف لي أن احصل على رقم هاتف معين لوزراة أو مؤسسة هل يوجد رقم ما؟ فقالت أي جهة تريد؟ قلت لها كلية الهندسة المستنصرية بباب المعظم فقالت في الحقيقة أستاذ طلبك غريب ! قلت ماذا؟ طلبي غريب ؟! فقالت نعم واذا أردت أن تحصل على رقم هاتفهم فأمامك طريق واحد فقط .. فقلت في قرارة نفسي( ياالله يوجد أمل سأحصل على الرقم أخيرا) قلت لها تفضلي اختي كيف؟ فقالت استقل سيارة أجرة واذهب الى هناك ! فشكرتها .. ثم أخذت بنصيحتها !
بصراحة تامة ومباشرة ودون أي تردد ، لايستحق الشكر في العراق الا جهة واحدة فقط الا وهم رجال الامن هناك المنتشرون في الشوارع والسيطرات الامنية الذين يحملون حياتهم على أكـفـّهم من أجل حماية المواطنين يواجهون الموت ببسالة كل دقيقة وكأنهم في ساحة قتال ولاتستحق أي جهة سياسية الشكر اطلاقا فحال العراقيين لايسرّ أي صديق أبدا.
تحدثت الى كثيرين في شوارع بغداد وبعض المحافظات عن أحوالهم ومعيشتهم ومعاناتهم وهنا اسمحوا لي بأن أطمئن السادة المسؤولين فأقول لهم بأنكم ملعونون على ألسنة الناس في الدقيقة ألف مرة ويقولون عنكم بأنكم ثلة لاتستحي على نفسها وأنهم منتقمون منكم لامحالة يامن نعّمتم أهاليكم وتركتموهم تقطعهم أنياب الارهاب والفساد الاداري والمالي والفقر والجوع وانعدام أبسط الخدمات ، يامن حولتم البلد الى خربة وأصبح عراق (الجنابر.. أي البسطات على قارعة الطريق).. هكذا هم يقولون.
قراءة مستقبلية ..
من خلال البيانات التي توصلت اليها في زيارتي الاخيرة الى العراق أقول بأن الاوضاع هناك تنذر بشر مستطير فالعراق أقل مايوصف بأنه قنبلة موقوته قد تنفجر في أي لحظة ، صحيح أن الولايات المتحدة والمسؤولين في العراق يستبعدون أي انقلاب عسكري لانهم يحكمون قبضتهم جيدا لكن ما لا يتوقعوه الانتفاضة الشعبية العارمة التي ستقلب الموازين هناك والتي لن تصدها جيوش العالم بأجمعها وأكاد أجزم قاطعا بأن الانتفاضة الشعبية قادمة لامحالة وأن الفوضى ستعم العراق عاجلا أم آجلا فلقد بلغ السيل الزبى ولم يعد بمقدور العراقيين الصبر أكثر من ذلك ويبدو أن الامور ستسير باتجاه مختلف تماما حيث أن الناس هناك باتوا على يقين تام بأن العراق خال تماما من أي قيادات موثوق فيها على مختلف أطيافه وقومياته ومذاهبه ولن يبقى سبيل يخرج العراق والعراقيين من محنتهم الا سبيل الامم المتحدة التي ربما ستحكم العراق لفترة مابين 3- 5 سنوات لحين بناء قيادات جديدة موثوق فيها تحكم العراق، فقد انصرمت سبعة أعوام عجاف على العراقيين وحالهم في تراجع دائم وللأسف يبدو أن العراق لن ينعم بالاستقرار الا عن طريق الامم المتحدة أو بمعجزة الهية ترحم العراق من الاحتلال وتمتعه بقيادات نظيفة وطنية شريفة غير مرتبطة باجندات خارجية تحكم العراقيين بكل نزاهة ووطنية وهذا ما أستبعده تماما !

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق