دراسات
أخر الأخبار

دراسة سياسية علمية أكاديمية حول العراق

ماذا يدور في رأس حيدر العبادي؟

[عندما تكون الأزمة حلاً]

رؤية شاملة وقراءة سياسية وتحليل

الدكتور

مظفر قاسم

أستاذ العلوم السياسية

باحث أكاديمي في الشؤون السياسية

Dr. Mudhaffar Qassim

24, October,  2017

-1- مقدمة:

ورقة البحث هذه تقدم رؤية شاملة وقراءة سياسية دقيقة وتحليلاً سياسياً علمياً حول تداعيات الإستفتاء الذي أجراه مسعود بارزاني في إقليم كردستان والمناطق المتنازع عليها في الخامس والعشرين من أيلول / سبتمبر2017 والذي تنظر اليه الحكومة الإتحادية على إنه غير شرعي وغير دستوري ، وتجيب عن سؤال يدور في ذهن كثيرين من العراقيين وغير العراقيين بخصوص ما سميت بـ (الأزمة) التي عصفت بالعراق ، والسؤال هو … ماذا يدور في رأس حيدر العبادي؟. وتعد أول ورقة بحث علمي عراقية وعربية وأجنبية تقدم هذه الرؤية الشاملة والقراءة السياسية والتحليل السياسي العلمي لجميع المواقف والتصريحات والأحداث والمعطيات.

بُنيت الرؤية والقراءة والتحليل السياسي في هذه الورقة البحثية على خمس ركائز أساسية :-

-1- الركيزة الأولى: المتابعة الدقيقة لجميع تصريحات رئيس الوزراء العراقي القائد العام للقوات المسلحة حيدر العبادي في مؤتمراته الصحفية الأسبوعية وإجاباته عن أسئلة الصحفيين وتصريحاته في البرلمان العراقي.

-2- الركيزة الثانية: المتابعة الدقيقة لتصريحات مسؤولين يعدون قريبين جداً من حيدر العبادي.

-3- الركيزة الثالثة: المتابعة الدقيقة لتصريحات مسؤولين يمثلون رأي أطراف الأزمة.

-4- الركيزة الرابعة: المتابعة الدقيقة لجميع الأحداث التي حصلت على أرض الواقع وربطها بتصريحات سابقة لجميع الأطراف السياسية المعنية بالأزمة.

-5- الركيزة الخامسة: التحليل الدقيق لإستراتيجية السياسة التي إتبعها حيدر العبادي وكيف قام ببناء هرم خاص بهذه السياسة.

وبعد الخوض في تفاصيل الركائز الخمس نصل الى تحليل سياسي شامل مبني على أساس هذه الركائز الخمس لنحصل على إجابة عن السؤال المطروح ( ماذا يدور في رأس حيدر العبادي ؟ ).

-2- كردستان .. الأمل الكردي:

يقع في خطأ كبير من يظن أن كردستان (أرض/ بلاد الكرد/الأكراد) في المنظور الكردي هي عبارة عن أربيل والسليمانية ودهوك والمناطق المتنازع عليه ، بل أن كردستان في المنظور الكردي مساحتها حوالي 500,000 خمسمئة ألف كيلومتر مربع تقع أراضيها في تركيا وإيران والعراق وسوريا وأجزاء من أذربيجان ، ويتراوح عددهم أكثر من 30 مليون كردي في تلك الدول، وإنقسمت الآراء بين معارض ومؤيد لإنشاء دولة كردية . تركيا وإيران أكثر دولتين متشددتين في ما يخص حقوق الأكراد وسوريا بدأت تغير من قناعاتها نحو حكم ذاتي كردي مرتقب ، أما العراق يعد الدولة الوحيدة في العالم الذي منح أكراده ما لم تمنحه دولة أخرى ، لكنّ مسألة الدولة الكردية يقف العراق ضدها ليس من باب رفضه حق الأكراد بدولة ولكن يرفض أن تكون الدولة الكردية على حساب العراق وحده فقط لا سيما هناك عهود ومواثيق بين القيادات الكردية وبغداد في أن يبقى الجميع تحت ظل دولة واحدة وموحدة وبما ينص عليه الدستور في مادته الأولى.

هل من سبيل للوصول الى الأمل الكردي؟ .. هناك سبيل واحد يحمل فرص نجاح عالية ألا وهو أن يسير الأكراد على خريطة طريق واضحة بحيث تجتمع كل من تركيا وإيران والعراق وسوريا وأذربيجان ليقرروا إقتطاع أراض بحسب نسبة الأكراد في تلك الدول لتشارك جميع هذه الدول في إنشاء الدولة الكردية ، أما أن تتحمل دولة واحدة تلك الضريبة دون الدول الأخرى سيكون الأمر مرفوضاً في كل دولة . هذا مقترح ينفع القيادات الكردية في تلك الدول إذا ما أرادوا عملياً وجدياً تحقيق أمل كردستان وإلا أي محاولة فردية في دولة واحدة سيكون مصيرها الفشل الحتمي والتاريخ السياسي خير دليل على ذلك. والمنصف سوف يبارك قيام تلك الدولة الكردية.

ولكن هل فكّر الأكراد في العراق أن إعلان دولة كردية على أرض دولة واحدة قد يضر كثيراً بباقي الأكراد في دول أخرى ويكون مدمراً لهم ، مثلاً ، لو قامت دولة كردية على أرض العراق فقط من يضمن أن تركيا وإيران وسوريا وأذربيجان وأي دولة أخرى توجد عليها أقليّة كردية من يضمن أنها سوف لن تقوم بتخيير الأكراد الذين على أراضيها إما أن تقبلوا بجنسية دولتنا أو إذا تمسكتم بقوميتكم الكردية سنقوم بسحب الجنسية وإبعادكم الى الدولة الكردية في العراق ، وبهذا سيتم تهجير جميع الأكراد في تلك الدول ليعيش أكثر 30 مليون كردي في الدولة الكردية التي سوف تقوم على أرض العراق ، وهنا لن يضمن أحد إستقرار المنطقة.

2.1 لماذا أقدم مسعود بارزاني على الإستفتاء؟

عوامل عدة دعت بارزاني إلى أن يُقدم على الإستفتاء نوجز أهمَّها :-

-1- أمل كل كردي.

-2- بعد دخول تنظيم داعش الإجرامي أرض العراق 2014 تمتع مسعود بارزاني بسلطات رئيس دولة وتحكم بجميع موارد الإقليم حيث إنقطع إقليم كردستان تماماً عن الحكومة الإتحادية وبقي على هذا الحال أكثر من 4 سنوات ولهذا كرر مرارا جملة بحق بغداد وهي (قراراتكم لن تصل إلينا).

-3- المواطنون في الإقليم عاشوا تلك الحياة أيضاً وظنوا أن الحكومة الإتحادية لن تستطيع تغيير هذا الواقع لأن زعيمهم قال بأن قراراتهم لن تصل إليهم ، الأمر الذي أعطى زخماً قوياً لهذا الأمل.

-4- بارزاني لا يعتبر نفسه سياسياً عادياً بل يعتبر نفسه زعيماً قومياً وقائداً يحمل إرث أبيه الملا مصطفى بارزاني.

-5- بارزاني لا يتوقع من الحكومة الإتحادية أن تتعامل معه على أنه سياسي عادي بل أنه زعيم وقائد ولا تجرؤ على محاكمته.

-6- بارزاني ينظر الى غالبية من هم في السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية (مستثنياً حيدر العبادي ) على أنهم مجموعة من اللصوص والسّراق وهم مختلفون سياسياً وغير موحدين وهؤلاء مستعدون لأن يبيعوا كل شيء من خلال حوار وإتفاق مع فرض الأمر الواقع وأنه يستطيع أن يقتلع الدولة منهم بسهولة بعد أن صرّح بأن الحدود ترسم بالدم ولم تحرك الدولة العراقية ساكناً بعد سماعها لهذه الجملة (ربما لأنها إنشغلت بما هو أهم ألا وهو تحرير العراق من قبضة داعش).

-7- ظن بارزاني أن المواطنين في الإقليم سوف يلتفوا حوله وأنه سيحظى بدعم خارجي.

كل هذه العوامل الأساسية وغيرها جعلت من بارزاني أن يقدم على خطوة الإستفتاء الأمر الذي ردت عليه الحكومة الإتحادية من خلال إتباع سياسة محددة عكفت هذه الورقة على تفصيلها وتحليلها تحليلاً سياسياً دقيقاً من خلال الإجابة عن سؤال ( ماذا يدور في رأس حيدر العبادي؟ )

-3- القراءة والتحليل والمناقشة:

يتناول هذا القسم من الورقة مراحل عدة من القراءة والتحليل والمناقشة تبدأ من رصد وتوثيق التصريحات وفك الشفرة الخاصة بها، ثم ينتقل هذا القسم إلى تحديد سمات وصفات الإستراتيجية الخاصة بالسياسة التي إتبعها حيدر العبادي لمواجهة الإستفتاء وتسخيرها لمصلحة الدستور ، ثم يطرح القسم أسئلة عدة ويجيب عنها أثناء المناقشة، وسيكون قسماً موسعاً وشاملاً ودقيقاً ومترابطاً.

3.1- الرّصد والتوثيق وفك الشفرة:

هذا القسم يرصد ويوثق أبرز وأهم ما صرّح به حيدر العبادي خلال 4 مرات ظهر فيها في الفترة ما بين 2017/09/26 لغاية 2017/10/21 ، وكذلك أبرز تصريحات مسؤولين من الطرفين الكردي والحكومة الإتحادية. كذلك يحوي هذا القسم على تعليقات تتعلق بتشخيص وشرح تلميحات وتفسيرات تخص التصريحات وما الرسالة المباشرة من التصريح ، ويمثل هذا القسم قاعدةً للتحليل الشامل وتمهيداً له.

3.1.1 المؤتمر الصحافي الأول:-

بعد يوم من الإستفتاء وتحديداً في 2017/09/26 وفي أول ظهور له بعد هذا الحدث ظهر حيدر العبادي في مؤتمر صحفي يُعد مهماً جداً كشف فيه عن الخطوات التي سيتخذها رداً على الإستفتاء ، هذا المؤتمر مرّت عليه وسائل الإعلام مرور الكرام ولم تركز عليه وذلك لإنشغالهم في تغطية التطورات السريعة للأحداث وحصرت مهمتها في الحصول على أكبر كمٍّ ممكن من المعلومات من شخصيات محسوبة على أطراف النزاع ولم تسلط الضوء على الخطوات التي أعلن عنها رئيس الوزراء ولم تخصص وقتاً كافياً لتحليلها تحليلاً علمياً دقيقاً للتعرف على الأحداث التي يمكن أن تقع خلال الأيام المقبلة.

أبرز ما قاله حيدر العبادي في المؤتمر الصحافي بتاريخ 2017/09/26 : – 

[ نحن ننطلق من عراقٍ قوي لكل أبنائه وليس العراق القوي ضد أبنائه كما كان في عهد الطاغية …. جيش عراقي قوي وقوات أمنية عراقية قوية لحماية المواطنين .. والبعض ( ملاحظة : العبادي يستخدم عادة مفردة “البعض” للإشارة الى بارزاني وستلاحظون ذلك في هذه الورقة ) , والبعض للأسف يخطط لعراق ضعيف ويخطط لإضعاف العراق ويتصور أنه الأقوى … والبعض (بارزاني) عنده جناح مسلح خلال 14 عاما السابقة ولديه رغبة في محافظة معينة أو في إقليم يريد أن يُضعف العراق ويكون أقوى من الدولة كي يتحكم بالناس لوحده وهذا مرفوض والعراقيون رفضوا ذلك .. والبعض (بارزاني ومؤيدوه) يعيد الشعار الشوفيني وشعار نحن وهم ] …. هذا التصريح يكشف عن أول ربط للأحداث بصدام حسين ، توجيه تهمة إضعاف الدولة ، إستخدام الشعارات الشوفينية.
وفي ذات المؤتمر الصحفي الذي بدا فيه العبادي هادئاً ومسترخياً تماماً تحدث عن الإستفتاء قائلاً [ في الوقت الذي مازالت فيه داعش تحتل أجزاءً من العراق وتهدد المدن هناك من يريد أن يجرنا الى أزمة داخلية ودعوات لتقسيم العراق عبر استفتاء غير شرعي وغير دستوري مرفوض داخلياً ودولياً .. أحذر من أن تداعيات الإستفتاء ستزعزع الأمن والإستقرار في إقليم كردستان والمنطقة بشكل عام وتلحق ضررا بالمواطنين جميعاً وهذا الكلام أوصلناه قبل الإستفتاء واستمرينا بتوصيله وحذرنا من عواقب وخيمة .. ليس تهديداً بل قراءة … وهناك كرد إصطفوا مع النظام السابق وقمعوا شعبهم الكرد وهناك عرب إصطفوا مع النظام السابق فلماذا تُتهم بغداد فقط وهناك كرد كانوا مع حزب البعث العربي الإشتراكي ] …… في هذا التصريح رّكز العبادي على : مسألة تقسيم العراق ، الإستفتاء غير شرعي وغير دستوري ، إتهام مسعود بارزاني إصطف سابقاً مع صدام حسين وقمع الأكراد.
وفي هذا المؤتمر بالذات قال العبادي جملة مهمة جداً لم يتم التركيز عليها في وسائل الإعلام ولم يعطها حقها كثيرون جاءت رداً على الإستفتاء ودعونا نتعرف على الخطوة الأولى للعبادي حيث قال حرفياً [الحكومة الإتحادية ستفرض سلطتها الإتحادية وفق الدستور] .. هذا يعني أن أربيل ستخضع للسلطة الإتحادية لا محالة ، وعلق العبادي قائلاً [بأننا لسنا في عهد صدام حيث كانت تفرض الأمور بالقوة وبالأمر الواقع والبعض يمارس هذا النهج] , وهنا أيضا قصد حيدر العبادي بكلامه مسعود بارزاني تحديداً حيث إعتاد حيدر العبادي وصف سلوك معين يخص بارزاني تحديداً من خلال إستخدام مفردة “البعض” كما وضحنا وأيضاً أعاد وكرر مقارنة مسعود بارزاني بصدام حسين للمرة الثانية في ذات المؤتمر , ولم يكتف بذلك بل ضرب مثلاً على ذلك حينما وجه نقداً واضحاً لمسعود بارزاني بطريقة غير مباشرة عندما قال [ نحن لم نجمد برلماننا ولم نطرد وزراءنا] (في إشارة الى ما فعله بارزاني في الإقليم) معتبراً بأنه منهج صدامي ، وهنا أيضا تقصّد العبادي ربط مسعود بارزاني بصدام حسين للمرة الثالثة على التوالي في ذات المؤتمر وقال معلقاً [لا يوجد عندنا منهج صدامي في العراق وسنقاوم المنهج الصدامي] نلاحظ إستخدام مفردة “سنقاوم” من قبل العبادي .. هذا يعني أن العبادي إعتبر سلوك بارزاني هو ذات سلوك صدام حسين وأنه سوف يقاوم هذا السلوك … والسؤال هنا هل سيكون مصير بارزاني كمصير صدام ؟ هذا ما سوف نبحثه في قسم خاص في هذه الورقة تحت عنوان ( ما مصير مسعود بارزاني؟).
الخطوة الثانية التي أعلن عنها العبادي في هذا المؤتمر قال [ الموارد النفطية يجب تعود الى الحكومة الإتحادية حسب الدستور ] معلقاً بأن هذه الخطوة من أجل توفير الرواتب لكل المواطنين بضمنم مواطني الإقليم .
الخطوة الثالثة والمهمة التي لم يوضح تفاصيلها آنذاك حيدر العبادي قال [ باشرنا بتنفيذ إجراءات وعدنا بتنفيذها ولن تمس هذه الإجراءات كرامة المواطنين ولا عيشهم وبالذات المواطنين الكرد] وهنا كان يقصد تحرك قوات الحكومة الإتحادية نحو كركوك وجميع المناطق التي سيطر عليها مسعود بارزاني أثناء إنشغال العراق في معركته ضد داعش حيث قال بارزاني قولته الشهيرة (الحدود ترسم بالدم ). وفي ذات التصريح كان يقصد العبادي الإجراءات التي تخص حظر المجال الجوي فوق الإقليم وتسليم المنافذ والمعابر الحدودية ومطاري أربيل والسليمانية كخطوة تمهّد تنفيذ باقي الخطوات المذكورة آنفاً.

ينبغي أن نذكر هنا بأن هذه المناطق يسميها الدستور العراقي (المناطق المتنازع عليها)! وهي تسمية غريبة جداً لا نعلم لحد الآن كيف ومن مررها في وثيقة يجب أن تكون راعية لمصطلحات دقيقة لا تثير النزاعات بين أبناء الوطن الواحد.

الخطوة الرابعة التي أعلن عنها العبادي في ذات المؤتمر قال [ أستغرب من بعض مسؤولي الإقليم يضخون الحقد والكراهية ، نحن ضده ويجب أن يتوقف وسوف نحاسب عليه] .. وهنا أيضاً إستخدم العبادي مفردة (بعض) ويقصد بارزاني وآخرين معه ، وهذا يفسر صدور بعض أوامر القبض بحق بعض المسؤولين الأكراد كانت أولى تلك الأوامر بحق كوسرت رسول نائب مسعود بارزاني والقيادي القديم في حزب جلال الطلباني حزب الإتحاد الوطني الكردستاني الذي وصف القوات العراقية التي دخلت الى كركوك بالمحتل ، وهناك أوامر قبض ستصدر تباعاً بحق شخصيات كردية أخرى قرر العبادي عدم إصدارها دفعة واحدة وسيأتيكم التعليل لاحقا من خلال التحليل وهل أن تلك أوامر القبض والإستقدام تشمل بارزاني أيضا ؟.
الخطوة الخامسة أعلن عنها العبادي قائلاً [ من قرارات مجلس الوزراء اليوم إخضاع المنافذ الحدودية الجوية والبرية في الإقليم للسلطة الإتحادية وسيبقى هذا القرار قائماً لحين خضوع جميع المنافذ للسلطة الإتحادية بحسب الدستور ] كذلك أشار الى غلق المنافذ الحدودية البرية غير الرسمية التي أقامها الإقليم بصورة غير شرعية.
شدد العبادي على ضرورة حصول إصلاحات في الإقليم وأن مسؤولي الإقليم إستحوذوا على أموال الدولة التي أُودعت في حسابات شخصية وحسابات أحزاب ولم تستلم الدولة منها أي شيء ، كما قال العبادي [ إعلان الإستفتاء عرّض أمن الجميع الى الخطر لأنه عملية منفردة من طرف واحد لا يوجد فيها أي إحترام لكل شركائه وعدم الإكتراث بمن حوله وهذا معناه أنك تقود مواطنيك الى كارثة ] وهنا كرر العبادي وللمرة الرابعة في ذات المؤتمر ربط بارزاني بصدام حسين حيث ضرب العبادي مباشرة مثلًا على ذلك عندما ربط هذه العملية التي سماها بغير الإكتراثية بغزو صدام للكويت وكيف أصر وبقي على عناده وكيف كانت النتائج التي حصلت حيال إصرار وعناد صدام حسين .
كما قال العبادي بأنه كان صادقاً ومخلصا وجاداً مع الأكراد وفي نصحهم وفي بعض الأحيان ترجاهم بأن مشاكل ستحصل وإجراءات لا قِبَل لهم بها (أي لا طاقة ولا قدرة لهم على تحملها) وأن المجتمع الدولي معه على ضوء الدستور وقال [دعوناهم الى التفاوض في كل شيء بدون أي سقف ولكن يبدو أنهم وقعوا في إستشارات خاطئة وأنهم يمكنهم إلغاء كل الإجراءات والنتائج لنبدأ الحوار ولكن مضوا في طريقهم].. وهنا يريد العبادي إيصال رسالة بأنهم مضوا في طريقهم الذي حددوه ونحن أيضاً سنمضي في طريقنا الذي حددناه ، ويمكن أن يُفسر ذلك بأنه لن يكون هناك إلتقاء بين الطريقين وأن النتائج ستكون للطريق الغالب والمنتصر في النهاية وليس شرطاً أن يكون نصراً عسكرياً بل قد يكون نصراً سياسياً ودستورياً وقانونياً وشرعياً.

* أبرز سمات هذا المؤتمر أنه أسس لقاعدة متينة وهي الدستور … إستخدم العبادي لهجة سياسية واضحة تستخدمها الدول التي لها نيّة إزاحة نظام معين أو شخص معين ، كما كشف هذا المؤتمر والذي جاء بعد 24 ساعة من إجراء الإستفتاء بأن العبادي يملك رؤية جاهزة وخطوات متسلسلة ومصممة من قبله وقبل لجنته السرية (فريقه) التي أنشأها من أجل مواجهة الإستفتاء وأنه بدأ الإعلان رسمياً عن تبني هذه الرؤية وبدأت ساعة الصفر له في تطبيق القرارات والخطوات التي إتفق عليها مع فريقه الخاص.

3.1.2 العبادي تحت قبة البرلمان:-

جلسة حيدر العبادي في البرلمان العراقي بتاريخ 2017/10/27 كان الظهور الإعلامي الثاني له بعد ما تسمى بـ (الأزمة) ، أبرز سمات هذه الجلسة أن العبادي صعّد من لهجته وبدت أكثر قوةً وصراحة ً مع الحفاظ على إسترخائه وابتسامته ، وهنا نوثق أبرز ما قاله العبادي في هذه الجلسة :-

[ سنبسط السلطة الإتحادية في كل العراق بضمنه الإقليم بقوة الدستور وقوة القانون ]… تأكيد لما قاله في المؤتمر الصحافي السابق.
[ سنستخدم كل وسائل الدستور والقانون ]….. الدستور .. قاعدة الهرم للإستراتيجية التي إتبعها العبادي في إستراتيجيته التي سنفصلها لاحقاً.
[ سنفاجئهم ] … وهذا يدل على أن العبادي قد أعدّ العُدة ويعرف أن خطواته فيها مفاجآت وسيبدأ بمرحلة التنفيذ.
[ نحن غالباً نتحدث قليلاً وعَمَلُنا أكثرُ من حديثنا]… إشارة إلى إنه شخص جدّي وعملي.
[ لن أقبل بأخذ مبلغ عشرة آلالاف دينار رسم إقامة العراقيين العرب في الإقليم] …. إشارة إلى قوانين غير عادلة إعتمدها الإقليم بقيادة بارزاني حيث تساءل العبادي مستغرباً كيف أن المواطن الكردي يتنقل بكل حرية ويقيم في أي محافظة عراقية يريد بضمنها العاصمة بغداد دون قيد أو شرط أو إقامة أو رسوم ولكن المواطن العربي إذا أراد أن يدخل أو يقيم في مدن الإقليم عليه شروط ورسوم الإقامة.
[إذا كنتَ في موقع المسؤولية فيجب أن تضرب على يد الظالم ويد المعتدي وأن تدافع عن المظلوم مهما كان وهذا الذي سنفعله] …. إشارة بإنه سيضرب كل من يخالف قرارات الحكومة الإتحادية حتى لو كان مسعود بارزاني نفسه.
[ سندافع عن مواطنينا الكرد في داخل الإقليم وفي خارج الإقليم]…. إشارة إلى أنه ليس ضد الأكراد بل ضد القيادات التي أوصلت الأمور الى هذه الحال كما انها إشارة مكررة تخص بسط السلطة الإتحادية في جميع العراق بضمنه الإقليم.
[ القرار السياسي لا يتجزأ وهم نقضوا الشراكة من طرف واحد]… بمعنى أن الشراكة إنتهت وتم نقضها من قبلهم فلا شراكة تجمعنا ولا حوار على إعتبار أن لا أساس لهذا الحوار بعد إنتفاء الشراكة.
[إستهانوا بإخوانهم في الوطن]… وبنظر العبادي من يستهين بأخوة له في الوطن لن يصلح لأن يكون في عملية سياسية جديدة.
[ هذا ما فعلوه بعنادهم]…. تصعيد واضح باللهجة وإتهام صريح بالعنادة وإشارة الى أن من يمارس العنادة يتحمل نتائجها.
[ الخطاب الشوفيني جريمة بحق المواطنين]…. تصعيد آخر في اللهجة وإتهام واضح بالشوفينية.
[ سنفرض القانون والدستور وسترون]…. بمعنى أنه قطع الوعد بأنه سيمضي في طريقه حتى النهاية حتى لو كان بطيئاً.
[ على القائد أن يكون صادقاً مع مواطنيه .. أنا أخاطب مواطنينا في إقليم كردستان بأن قادتهم لم يصدقوهم بالحقائق .. قادتهم أخفوا عنهم الحقائق مع أن الحقائق واضحة]…. تصعيد آخر في اللهجة حيث أراد العبادي أن يوصل معلومة للمواطنين الأكراد بأن قادتهم كانوا كاذبين ومخادعين معهم. وحينما يتأكد المواطن من أن قادته كانوا فعلاً كاذبين ومخادعين معهم فإنهم لن يقفوا معهم ويقتنعوا بتغييرهم.
[ قلنا لهم بأن الأمور ستسوء بعد الإستفتاء]… وهنا يقصد العبادي بأنه أخبر القادة الأكراد بأن الأمور لن تكون حسب ما يظنون أو حسب ما يريدون.
[ هل تريدون بعد الإستفتاء أن تلغوه وتعودوا الى نقطة الصفر؟ لا .. لا تعودوا الى نقطة الصفر … ]… بمعنى أن العبادي سار على طريقه ولا يريد الحوار بعد هذه المرحلة وهذا يبرر رفضه لأي مبادرة لأنه يريد أن يصل إلى مرحلة تجعله أقوى من السابق من خلال فرض الدستور.
[سنقوم بتنفيذ كل الدستور وبفرض كل السلطة الإتحادية في الإقليم حسب الدستور]… تأكيد آخر من أن السلطة الإتحادية ستُفرض في أربيل وجميع الإقليم.
ومع إبتسامة لطيفة قال العبادي [ بصراحة الآن أعطونا فرصة تاريخية لتنفيذ الدستور].. هذا يعني أن الحكومة الإتحادية كانت تنتظر هذه اللحظة … قائلاً “رُبَّ ضارّة نافعة ” ودعا الى التمسك بتنفيذ الدستور والتمسك ببسط السلطة الإتحادية في العراق حسب ما حدده الدستور .
ثم كرر وأكد جازماً قائلاً [ سنفرض الدستور في كل المناطق حسب ما حدده الدستور].
[هناك تمدد على الأراضي منذ 2014 وكذلك منذ 2003 ]…. هذا يعني أنه من يتحدث عن خطوط زرقاء وخضراء عليه أن يعيد حساباته . في الحقيقة وحسب الدستور لا توجد خطوط ملونة في عراق ما بعد 2003 لأن جميع القرارات الأممية السابقة إنما صدرت بسبب وجود صدام حسين أما بعد ذلك التاريخ يعود العراق واحداً موحداً دون خطوط ملونة.
[ أرجو أن يكون هذا واضحاً نحن نريد أن نطبق الدستور في كل هذه المناطق وسنفعل ذلك بدون إراقة دماء وأنا أؤكد سنسير بإتجاه واضح]… وهذا يفسر البطء الذي يسير فيه العبادي لأن خطته تعتمد المرونة والمفاجأة والتأثير السياسي والعامل النفسي من أجل تحقيق هدف عدم إراقة الدماء في تنفيذ مايريد.
وهنا كرر العبادي مرة أخرى بأن بغداد عانت من الظلم في عهد صدام وهناك قلة منحرفة من العرب والكرد وقفت مع صدام وساندت صدام وقال [ نحن تضررنا من صدام ونظامه ولم نضع يدنا بيده ] (في إشارة الى تعاون بارزاني مع صدام بوجه جلال طالباني وتسبب بقمع الشعب الكردي ) قائلاً [ الذي ذبح الكرد هم كرد بعثيون وعرب بعثيون].
وفي هذه الجلسة قال العبادي [ أطالب بإعادة كل المناطق التي تم الإستيلاء عليها بعد دخول داعش وكذلك أطالب بتطبيق الدستور على باقي المناطق .. وإن شاء الله سنطبقه ..] وأوضح أن العراق قد عانى الظلم بسبب تطبيق قوانين عليه وقوانين أخرى على الإقليم وأن ذلك كان تمشية لأمور تخص وحدة العراق وأنه يتفهم ذلك بأنه تنازل عن أمور من أجل أمور أكبر ولكن بعد أن سار (ما سماهم حرفياً “الجماعة” ويقصد الطرف الكردي بقيادة بارزاني) بشكل خاطئ وأنهم إستغلوا حسن النية وحسن التعامل.
وهنا فجر العبادي معلومة جديدة لم ينتبه إليها أحد بل وأُهملت تماما حين أوضح بأنه ومنذ اليوم الأول قال لمسعود بارزاني ولباقي القيادة الكردية (وقال بأنهم يسمعوني الآن) قال لهم [ إذا أردتم أن تعيشوا ضمن عراق واحد موحد هاتوا إيديكم وسنتعاون في كل شيء وسنتقاسم الرغيف بيننا أما إذا كنتم تريدون الإنفصال فقولوا لنا فإن التعامل سيختلف … ولكنهم للأسف أخلوا بهذا الإتفاق بحيث سمعنا بالإستفتاء عن طريق الإعلام].
وأثار العبادي نقطة مهمة أخرى حيث كشف أن هناك إتفاقاً مكتوباً وموقعاً بين الحكومة الإتحادية وحكومة الإقليم يقضي برجوع بيشمركة الى نقاطها السابقة بمجرد إنتهاء عمليات تحرير نينوى وقد اخبرهم بأن عمليات نينوى إنتهت وبهذا على بيشمركة تنفيذ الإتفاق… وهذا يبرر تعاون بيشمركة التابعة لحزب الإتحاد الوطني الكردستاني في كركوك وبسط السلطة الإتحادية وتراجعهم عن المواجهة.

* أبرز سمات هذا الخطاب أنه خطاب تتبعه سياسات دول قررت إزاحة نظام ما وهذا يعني أن الخطة التي يحملها العبادي هي إزاحة مسعود بارزاني ولكن يطمح أن لا تكون هذه الإزاحة عن طريق عسكري بل بالطرق السياسية التي أساسها تطبيق الدستور على مناطق الإقليم تدريجياً (الأمر الذي لن يتحمله بارزاني) ، مع العمل على توحيد الجهود الكردية من أجل ممارسة ضغوط داخلية تفضي إلى إزاحة بارزاني بأي طريقة.

3.1.3 المؤتمر الصحافي الثاني :

في مؤتمره الصحافي بتاريخ 2017/10/10 ركّز العبادي في خطابه على مستويات جديدة لإكمال مرحلة بناء الهرم الذي خطط له بدقة وحكمة لإنهاء الأزمة بالشكل الذي يريد وهنا نوثق أبرز ما قاله في هذا المؤتمر:

[إثارة لغة الطائفية لن تزيدكم إلاّ بعداً عن العراقيين … وهذه اللغة سوف لن تجعلكم في اي موقع في العراق]… أيضاً إشارة بأن هناك شخصيات كردية سوف تغيب عن المشهد السياسي.
[ لا تراجع في موقفنا الدستوري برفض الإستفتاء ومازلنا مصرين على ذلك … وسنحارب من يفرق بين العراقيين لحسابات سياسية أو أنانية ضيقة]…. تأكيد بأنه ماضٍ في إجراءاته.
[ كلامنا واضح ، أي حوار يجب أن يُبنى على الأسس التالية وحدة العراق ، الدستور العراقي ورفض نتائج الإستفتاء وهذا لا يحتاج الى أي تفاوض ولا أي مبادرات ولا وساطات وكل من يدعي أنه تكلم معي أو أرسلته للوساطة أو للمبادرة فهو كذب محض]…. وهنا قطع العبادي الأمل الذي كان يراود بارزاني ومن يريد حل الأزمة بالحوار أو المبادرات العراقية أو العربية أو الأجنبية على إعتبار أن قاعدة الهرم أصلاً بنيت من الدستور وأن أي حوار أو مباردة أو تفاوض يناقض القاعدة وبهذا سوف يسقط الهرم الإستراتيجي الذي بناه هو وفريقه.
[ نحن لا نحتاج الى وساطة]…. تأكيد آخر أن لا حل غير تطبيق الدستور.
[ البلد يجب أن يكون موحداً.. أي تقسيم هو ضعف للبلد وهذا مرفوض وغير مقبول ].
[ تم تشكيل لجنة عليا لملاحقة جميع الأموال والفساد والنفط العراقي ملك لكل العراقيين وليس ملكاً لمسؤولين محددين كي توضع الأموال في حساباتهم] … نشير إلى أن هذه التهمة ستضاف الى تهم أخرى كافية لإصدار مذكرات قضائية لمحاسبة المسؤولين في الإقليم الذين تصرفوا بالنفط وخلال سنوات بعيداً عن الحكومة الإتحادية وبالتأكيد سيكون مسعود بارزاني على رأس القائمة.
نوّه العبادي بأن سلطات الإقليم حرّضت بعض الدول الإقليمية ضد الحكومة العراقية … وهنا نقول بأن هذه التهمة يمكن أن تضاف الى سلسلة الإتهامات والتي تستطيع الدولة العراقية أن تحاسب قضائياً من قام بالتحريض على حكومة شرعية.
وفي هذا المؤتمر كرر العبادي جملة مهمة جداً قال بأنه صرّح بها لكل قيادات العالم حيث قال [ بسط السلطة الإتحادية في كل أرجاء العراق بضمنها الإقليم وهذه السياسة لن نتراجع عنها.. سواء تفاوضنا أم لم نتفاوض أو جلسنا سوية أم لم نجلس أو سواء تراجعوا عن الإستفتاء أو لم يتراجعوا ، هذه السياسة نصرّ عليها… لهذا سنفرض السلطة الإتحادية في كل مكان حسب الدستور ] …وهنا يقصد العبادي بأن باب الحوار سيكون مفتوحاً بعد أن ينجح ببسط السلطة الإتحادية في كل العراق بضمنه الإقليم ولن يتراجع عن هذا الأمر وأي حوار قبل بسط السلطة الإتحادية لن يرى النور.
[ الجيش العراقي له الحق في أن يكون موجودا في جميع أنحاء العراق ليس للهيمنة أو القوة ولكن لفرض الأمن لصالح المواطنين جميعاً]… ويقصد بأن الجيش العراقي يجب أن يكون له دور في الإقليم.
أوضح بأن السياسة التي انتهجها الإقليم ستعود بالإقليم الى الوراء عشرات السنين.
في سؤال وجهه أحد الصحافيين في هذا المؤتمر سأله عن إحتمالية صدور مذكرات إعتقال فعلية بحق المنظمين للإستفتاء وخاصة بحق رأس مدبر الإستفتاء مسعود بارزاني على حد تعبير الصحافي ، فكان جواب العبادي [ نعم وجهنا بذلك من خلال مستشارية المجلس الوطني … بالتعاون مع المدعي العام أن يتابعوا هذا الموضوع وتم طرح بعض الأسماء في هذا الإطار من خلال التحقيقات والمعلومات المتوفرة وننتظر إجراءً قضائياً في هذا الموضوع]…. وهنا لم يذكر العبادي أي معلومة بخصوص بارزاني ولم يعترض على سؤال الصحافي ويعني ضمناً أن هناك أوامر قضائية تخص بارزاني.

* أبرز سمات هذا المؤتمر تأكيد فرض السلطة الإتحادية حسب الدستور ولا تراجع عن هذا الأمر ، رفض المبادرات والوساطات التي روجت لها شخصيات سياسية عراقية وعربية وأجنبية وقنوات إعلامية ، تأكيد وحدة العراق ، تسليط الضوء على سياسات الإقليم التي أضرت بالعراق عامة والإقليم خاصة ، إتهام قادة الإقليم بالفساد وإيداع أموال الدولة في حساباتهم البنكية الشخصية ، إنتظار أوامر قضائية بحق قادة الإستفتاء.

3.1.4 المؤتمر الصحافي الثالث: 

في مؤتمره الصحافي بتاريخ 2017/10/17 والذي عقده بعد نجاح دخول القوات العراقية الى محافظة كركوك والمناطق المتنازع عليها بدون إي مواجهات عسكرية واصل رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إكمال بناء الهرم عبر مستويات جديدة وهذا أبرز ما قاله العبادي :

[ أبارك لجميع العراقيين بأنه لم يحصل صِدام].
[ قلت في خطابي الماضي إن واجب القوات العراقية فرض الأمن في كل العراق وإن القوات الإتحادية تفرض الأمن في كل المناطق ]….. وهنا يؤكد مرة أخرى.
[ دعونا البيشمركة للعمل مع قواتنا الأمنية في هذه المناطق لفرض الأمن وسنديرها تحت قيادة إتحادية مشتركة].
[ هناك طرف آخر حرّض على قتال القوات العراقية].
وبدأ رئيس الوزراء يعلن صراحة بأن البعض (وهي أيضاً إشارة الى مسعود بارزاني) في الإقليم أفقدوا كل إنجازات المواطنين الأكراد من أجل المحافظة على سرقاته وفساده ومكاسبه.
[ كل البيشمركة أثبتوا أنهم وطنيون ورفضوا قتال القوات العراقية رغم أنهم وجهوا لهم أوامر بالدم لمقاتلة القوات العراقية ونحن وجهنا لهم أوامر وتعليمات لأن يكونوا ضمن القوات العراقية ولم يطيعوهم وأطاعونا ]… هذا تصريح ليس عادياً، عندما يقول العبادي [كل البيشمركة أثبتوا أنهم وطنيون] هذايعني أن أي قوة من بيشمركة تستخدم العنف ( وهي غالبا ستكون قوات بارزاني إذا ما أعطى أمراً بالمواجهة) فإنها ليست من البيشمركة التي وصفها بالوطنية بل ستعتبر قوات خارجة عن القانون ولا تمثل بيشمركة وسيكون إستهدافها مبررا من قبل قوات بيشمركة التي وصفهم بالوطنية ومن قبل الدولة.
[ عندي إلتزام .. لن أدخل في حرب داخلية يكون ضحاياها مواطنينا.. لن أدخل .. وسأقطع يدي إن فعلت].. وهذا يعني أنه يسير وفق منهج سياسي وليس وفق منهج عسكري وعادة المنهج السياسي يأخذ وقتاً أطول.
[ بعد 2003 أصبحنا دولةً واحدة وفي 2005 يحكمنا الدستور ولهذا يجب أن تكون السلطة الإتحادية في كل مكان في العراق]… وهذا يؤكد بأن العراق بعد 2003 لا توجد فيه خطوط ملونة بل أصبح كاملاً مكملاً بكل محافظاته ، هذا إذا ما وضعنا نصب أعيننا بأن إقليم كردستان أُنشئ أصلا من الدستور وتشكل من ثلاث محافظات عراقية أربيل والسليمانية ودهوك والتي شاركت في إنجاح الدستور وبهذا أصبحت هذه المحافظات الثلاث ممثلة بالإقليم تحت حكم الدستور لا حكم الخطوط الملونة.
[ بعض الساسة في كردستان يشعرون بالأسى لكن عندي أيضا معطيات … كثيرون من المواطنين الأكراد فرحون بما جرى وكثيرون من المواطنين الأكراد إتصلوا بي وقالوا خلصونا من هذا .. خلصونا من هذه الديكتاتورية وخلصونا من هذه المأساة التي نعيش فيها وكثيرون منهم فرحون ويدعوننا الى أن نسارع بفرض سلطة الدولة على هذه المناطق لأننا تأذينا]…. إشارة واضحة لا غبار عليها أراد العبادي إيصالها الى الجميع بأن مسعود بارزاني يُعد ديكتاتوراً بنظر كثيرين من الأكراد وأن الحكومة الإتحادية ملتزمة بتخليصهم من الديكتاتورية بحكم الدستور.
[ البعض ( بارزاني) أراد أن يرسم الحدود بالدم ونحن نرسم الحدود بالسلم والتعاون .. رأيتم أن منطق السلم ومنطق الحكمة ومنطق القوة العادلة وليس الظالمة إنتصر على مبدأ الدم والقوة الظالمة] .. لو أن العبادي علق تعليقاً آخر على هذه النقطة لكانت أقوى تأثيراً ، فلو قال البعض أراد أن يرسم الحدود بين أبناء الوطن الواحد بالدم ونحن بالسلم والتعاون سوف نزيل جميع الحدود بين أبناء الوطن الواحد ، ولكن أعتقد أنه في داخله يريد إيصال هذه النقطة لكن لم يسعفه التعبير بسبب إستخدام أسلوب الحصر والمقارنة للرّد على بارزاني.
[ الإستفتاء إنتهى وأصبح من الماضي] …هذه جملة لها دلالات كبيرة إذا ما تعمقنا بها .. هذا يعني أن العبادي لا ينتظر أي إجراء من الإقليم بخصوص الإستفتاء بمعنى أن العبادي وصل الى مرحلة نهائية لا يقبل فيها بتجميد الإستفتاء أو حتى الإعلان عن إلغائه وإنه ماض في بسط السلطة الإتحادية بغض النظر عن أي قرار يصدر من الإقليم ، بالنسبة للعبادي يقصد أن مسعود بارزاني إنتهى وأصبح من الماضي وأن لا مكان له في المستقبل السياسي الكردي الجديد وسيأتيكم التحليل لاحقاً بعد إكتمال الترابط بين المعطيات.
أكد العبادي قائلا نريد أن نصحح كل الممارسات الخاطئة التي حصلت في السابق والتي أوصلتنا الى هذه المرحلة.
وصف العبادي الإستفتاء بالطعنة… ( بمعنى لا يمكن أن تسامح الدولة من طعنها).
[ لازلت ملتزما بكل ما أعلنته خلال الفترة الماضية ، نريد بسط السلطة الإتحادية على كل العراق حسب الدستور ولا شيء خارج الدستور … ولا تراجع عن هذا القرار ]….. أيضاً تكرار واضح لمسألة بسط السلطة الإتحادية على كل العراق وربما بارزاني لا يتحمل بسط السلطة الإتحادية في الإقليم الذي إعتاد على التمتع بكل ما يتمتع به رئيس دولة من سلطات خاصة في الأعوام الأخيرة ، وهذا يؤكد بأن بارزاني خسر هذا المنصب وإلى الأبد لأن السلطة الإتحادية سيتم بسطها في الإقليم دون أدنى شك إلاّ أن يقبل بذلك وهذا قد يخالف طبيعته ويعتبره بمثابة ضرر بالغ يلحق بصورته ومكانته في عيون الأكراد الذين تعودوا عليه أن يكون الحاكم المطلق في الإقليم.
[ إنّ جرّ البلاد الى إحتراب لن نسمح به ويُعد جريمة]…. وهذا بمثابة تحذير للبارزاني فيما لو قرر الدخول في إحتراب حقيقي.

* أبرز سمات هذا المؤتمر يعد أقوى تصعيد لغاية تاريخ كتابة هذه الورقة حيث بلغ التصعيد ذروته حينما أصر على إدارة مشتركة للمناطق ، طلب مواطنين أكراد مباشرة من العبادي بتخليصهم من الديكتاتورية ، حصر صفة بيشمركة الوطنية بمن تعاون مع القوات الإتحادية فقط ، تأكيد بأنه ملتزم بكل ما صرح به سابقاً وعازم على تطبيقه وتنفيذه.

كي نتعمق في التحليل والقراءة علينا أن نحدد ونشخص سمات الإستراتيجية والسياسة التي إتبعها حيدر العبادي من أجل تطبيق ما جاء في تصريحاته الموثقة أعلاه:-

* أبرز سمات السياسة التي إتبعها حيدر العبادي في بناء الإستراتيجية على شكل الهرم :-

قوة وسلطة الدستور.(قاعدة الهرم العتيدة والمتينة).
إستثمار المواقف الداخلية والإقليمية والعربية والدولية.
القوة الناعمة   Soft Power .
المرونة Resilience .
تفكيك التعقيدThe Dismantling of Complexity .
العقلانية Rationalism.
الحكمة Wisdom.
الإتزان في الحركة Poise in moving.
العوامل النفسية / علم النفس السياسي Psychological factors/ Political psychology.
الإعتماد على تفعيل إتفاقات سابقة Relying on activating previous agreements.
عنصر المفاجأة The Element of Surprise.

* كيف حول العبادي (الأزمة) الى حَل ؟

ما يسميها الآخرون (أزمة) حسب وجهة نظرهم جعلها حيدر العبادي بمنظوره (الحل) وإستثمرها لتحقيق مكاسب تصب بصالح الدستور وصالح هيبة الدولة وصالح السلطة الإتحادية .

لقد أسس العبادي إستراتيجيته لمواجهة الأزمة (حسب وجهة النظر العامة) / الحل (حسب منظور العبادي) ، أسسها على فكرة بناء هرم خاص يتألف من قاعدة ورأس وبينهما مستويات مدروسة عدة لمعالجة هذه المشكلة ، وأن السِّمة الأساسية لهذا الهرم تتمثل بإستثمار (الأزمة) وتحويلها إلى حل من أجل تحقيق مكاسب وطنية أهمها إثبات وجود السلطة الإتحادية في بلد يفترض أن يكون جمهورياً فيدرالياً إتحادياً ديمقراطياً حسب الدستور الذي كان الأكراد الطرف الأساس في إنجاحه . ولهذا كان العبادي يخطط جيداً في بناء القاعدة لهذا الهرم على أن تكون قاعدةً عتيدةً ومتينةً جداً وصلبة جداً لا مسامات فيها ولا ضعف فيها ولا ثغور فيها ولا توجد سلطة عليها أو فوقها أو تعيقها ، قاعدة لا تتبع أي شيء والكل يتبعها ، قاعدة تبقى صامدة خلال مرحلة بناء المستويات الأخرى وصولاً الى رأس الهرم لتحقيق كل الأهداف التي إفتقدها العراق طيلة العقود الماضية ليجعل من (الأزمة) حلاً.

من أجل ذلك … كانت امام العبادي قاعدة واحدة فقط تتوفر فيها كل هذه الشروط والمواصفات … ببساطة إنه الدستور … لقد تشبث العبادي بالدستور وإعتبره السلطة العليا التي يجب أن تلتزم بها السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية الأمر الذي لا تستطيع أي جهة داخلية أو خارجية أن تتعارض مع سلطة الدستور.

نستمر في التحليل وننتقل إلى مسألة مهمة .. منذ 26 أيلول/ سبتمبر2017 (بعد يوم واحد من موعد إجراء الإستفتاء ) ولغاية 21 تشرين الأول / أكتوبر 2017 (موعد الجولة الإقليمية التي شملت المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية والمملكة الأردنية الهاشمية ) وخلال 26 يوماً ظهر فيها العبادي على وسائل الإعلام 4 مرات (كما وثقناها آنفاً) ومن خلال متابعة دقيقة إستطعت أن أتوصل الى أن حيدر العبادي كرر كلمة “الدستور” خلال ظهوره الإعلامي في تلك الفترة حوالي 135 مرة ، ولا نعلم كم مرةً كررها في إجتماعاته وإتصالاته في الداخل والخارج خلال هذه الفترة والتي بالتأكيد كانت أضعاف الرقم الذي ذكرناه . كما أن فقط خلال يومي 26 -27 أيلول/ سبتمبر2017   وعلى 12 شاشة تلفزيون فضائية (5 شاشات عراقية ، 4 شاشات عربية ، 3 شاشات أجنبية) تم تكرار كلمة “الدستور” على هذه الشاشات خلال هذين اليومين فقط حوالي 8613 مرة ، الأمر الذي يُظهر كيف أن العبادي نجح في بناء قاعدة الهرم عبر وضع مصطلح “الدستور” تحت الأنظار والذي إعتبره القوة السلمية الوحيدة التي لا تُقاوم من قبل أي جهة سواء أكانت داخلية أم خارجية .

لقد رفع العبادي الدستور شعاراً لإستراتيجيته حيث الشعار الذي لا يختلف عليه إثنان داخل وخارج العراق بضمنهم الدول العظمى والأمم المتحدة ومجلس الأمن وجميع المؤسسات والجهات الرسمية الأممية وجميع دول العالم ، وهل هناك من يقدر أن يفتح فاهُ ليقول للعبادي خالف الدستور؟ لا سلطة فوق سلطة الدستور هذه هي قاعدة الهرم التي وضعها العبادي ليبني عليها هرمه العتيد ويكون صامدأ حتى الوصول الى رأس الهرم.

وفي توضيح سريع وبسيط يخص وسائل الإعلام … رغم نجاح العبادي في أن يجعل الإعلام يركز على كلمة (الدستور) من خلال تكراره هو لهذه الكلمة إلاّ أن الآلة الإعلامية العراقية والعربية لم تتعامل بحرفية مع تداعيات الإستفتاء وأصبحت مشغولة بجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات والتصريحات في خضم الكم الهائل من تطورات الأحداث، ولم تنظم غالبية وسائل الإعلام عملها بالشكل الحِرفي الصّحيح ، كما أن غالبية المحللين السياسيين الذين ظهروا على

شاشات عراقية وعربية لم يكلفوا أنفسهم في تحليل علمي دقيق لموقف رئيس الوزراء ، ربما لأنّ غالبيتهم لم يملكوا

خلفية سياسية علمية حقيقية وتأثروا بتحليلات أخرى قصيرة النظر أو محدودة ، ولكن في المقابل هناك صحافيون عتيقون متخصصون في الشؤون السياسية لم يحظوا بالفرصة الحقيقية للظهور على الشاشات تميزوا عن محللين سياسيين تكرر ظهورهم عشرات المرات دون فائدة، كما أن هذه الشاشات لم تعط الفرصة الحقيقية لمتخصصين حقيقيين في العلوم السياسية ليدلوا بدلوهم العلمي ,وبهذا لم يوفق الإعلام في تناول الأحداث بالشكل الحرفي الصحيح ولم يكن بمستوى الطموح.

بعد تثبيت قاعدة الهرم إنتقل العبادي (وفريقه) إلى مرحلة أخرى ألا وهي مرحلة رسم سمات سياسة إدارة الموقف والإستراتيجية الخاصة بهذه السياسة، وتم تبنّي أسساً عدة أبرزها أساس (المرونة في إدارة التعقيد).

رغم أن مصطلح (المرونة Resilience ) ورد في أغلب العلوم الإنسانية وله تعريفات خاصة حسب التخصص الذي يتناوله إلاّ أن مفهوم (المرونة Resilience ) في العلوم السياسية (وكما يقول أستاذي البروفيسور الدكتور ديفيد شاندلر أستاذ العلاقات الدولية وهو متخصص في هذا المفهوم والذي درسناه معه بدقة وتفصيل ) يقول إن مفهوم المرونة أصبح خلال العقد الأخير مفهوماً مركزياً في فهم سياسة الحكم خاصة في عالم معقد مثل عالمنا الذي نعيش فيه حيث يتطلب مرونة في التفكير لمواجهة التعقيد .. ولهذا فإن (المرونة) يعد أحد المفاهيم السياسية الحديثة وشاع تدريسه بشكل مكثف في أوروبا وأميركا خلال العقد الأخير يتعلم منه الفرد كيف يقود أزمة أو مشكلة أضرّت به بحيث يخرج من هذه الأزمة أقوى مما كان عليه وتحصنه في المستقبل في حال تكرار هذه الأزمة ليخرج بأقل الخسائر أو ينتصر تماماً في إدارة الأزمة وذلك من خلال مجموعة خطوات مدروسة.

يضاف الى ذلك فإن العقلانية والإتزان والهدوء أيضا كانت من سمات هذه السياسة بحيث حرص العبادي على عدم إتخاذ أي قرار مخالف للدستور وإلاّ سيكون نقضاً لقاعدة الهرم كما حرص أن يبتعد عن أي قرارات تصدر ضد مسعود بارزاني في هذه المرحلة لإعتبارات عدة (سيتم تعليل هذه النقطة في الأوراق المقبلة) . كما أن العبادي إستخدم العامل النفسي بحيث أن بارزاني (مخطط وقائد الإستفتاء) أصيب بالذهول كيف أن العبادي حتى لم يكلف نفسه لأن يلفظ إسمه بصورة مباشرة بعد الإستفتاء أو أن يصدر قرارا ضده لحد هذه اللحظة يمكن أن يستثمره بارزاني لصالحه، وحافظ العبادي على هدوئه في ظهوره الإعلامي رغم أنه بدا ولدقائق قليلة في مؤتمره الأول من أنه منفعل قليلاً لكن أعتقد أنه إنتبه الى هذه النقطة وحافظ على هدوئه بعد ذلك وفي ظهوره التالي ، فضلاً عن أنه أجرى جولة عربية وإقليمية تعد أكبر وأسرع جولة لرئيس وزراء عراقي من حيث زيارة الدول عدداً وزمناً كما ظهر في جميع زياراته هادئاً مبتسماً مسترخياً تماماً وكأن لا مشكلة في العراق.

قد يتساءل كثيرون ، إذا كانت الحكومة الإتحادية ستقوم بكل هذه الإجراءات لماذا لم تمارس سلطتها منذ البداية لتوقف إجراء الإستفتاء على إعتبار أنها صرّحت مسبقاً بأن الإستفتاء غير شرعي وغير دستوري؟ ولماذا تركت مسعود بارزاني يقوم بإجرائه أصلاً لا سيما أن بارزاني صرّح في الإعلام منذ 7 حزيران 2017 بأن الإستفتاء سيكون في2017/9/25؟ … ببساطة … الحكومة الإتحادية كانت تنتظر أي خطأ يقوم به بارزاني ورأت بأن إجراء الإستفتاء سيكون بمثابة (القشة التي ستقصم ظهر البعير) ، لقد كانت الحكومة الإتحادية تنتظر بفارغ الصبر أن يُقدم بارزاني فعلاً على إجراء الإستفتاء وتمنت أن لا يتراجع عنه في اللحظة الأخيرة ، ومنذ أعلن بارزاني في حزيران عن إجراء الإستفتاء شكل العبادي لجنة سرية خاصة (فريقاً خاصاً) يبحث هذا الفريق في خطوات الحكومة الإتحادية حيال الإستفتاء وبدأ العبادي بترتيب أوراقه منذ تلك اللحظة وأصبحت جاهزة على مكتبه قبيل موعد الإستفتاء.

لقد تعامل رئيس الوزراء حيدر العبادي مع مسعود بارزاني بصبر صيّاد السمك حيث كان العبادي يملك خيط الصّيد( وهو الدستور) والذي مدّه لمسعود بارزاني منذ سنين ليصطاده به لكنَّ مشكلة خيط الصيد هذا كان خالياً من أي صنّارة ، وهنا أهدت السمكة بنفسها صيادها الصنّارة التي يصطادها بها وهذه الصنّارة كانت الإستفتاء فتلاقفها العبادي مسرعاً وربطها بخيطه (الدستور) الذي مدّه خالياً بصبر سنين طوال ليقول للسمكة “شكراً لكِ أيتها السمكة .. الآن وقعتي بيدي .. ولات حين مناص”.

أكشف هنا ولأول مرة معلومة سرية للغاية .. يعلم الجميع أن بعد إجتياح داعش لمحافظات عراقية وصلت الموصل ، أصبحت كركوك بما فيها من منشآت نفطية وعسكرية تحت السيطرة الكاملة لقوات بيشمركة بإمرة بارزاني ، وفي ذلك الوقت حاول تنظيم داعش جاهداً السيطرة على مصفاة بيجي ، ولكن الذي جعل مصفاة بيجي تصمد لوقت طويل كانت المصفاة محمية بطائرات الهليكوبتر العراقية والتي تتزود بالوقود من ذات المصفاة ولهذا وفرت غطاءً جوياً مستداماً وكاملاً ساهم في حماية المصفاة ، ولأن العراق عام 2014 لم يكن يملك عدداً كافياً من المقاتلات الحربية وأغلب الطيارين كانوا في دورات تدريبية خارج العراق إلاّ أنه كان يملك طائرات هليكوبتر كافية تستطيع مواجهة تنظيم داعش عام 2014 لكن مشكلة طائرات الهليكوبتر لا تستطيع أن تطير مسافات بعيدة من بغداد لتضرب في الموصل بل كانت تحتاج لنقطة هبوط لتتزود بالوقود وتعود الى بغداد مرة أخرى ، المعلومة السرية التي قررت أن أكشفهافي هذه الورقة هي أن حيدر العبادي طلب من مسعود بارزاني إستخدام القاعدة الجوية ( كي وان) في كركوك (والتابعة أصلاً للحكومة الإتحادية) طلب العبادي إستخدام تلك القاعدة من قبل طائرات الهليكوبتر العراقية لضرب تنظيم داعش لكن المفاجأة التي تلقاها العبادي هي رفض بارزاني لإستخدام تلك القاعدة وهذا الرفض حزّ كثيراً في نفس الحكومة الإتحادية إلاّ أن حيدر العبادي إمتص هذه الصدمة ولم يُعلن عنها في وقتها ، وفي حال أقدمت الحكومة العراقية على توجيه تهم ضد بارزاني فإنها حتماً ستضيف هذه التهمة على لائحة التهم بحق بارزاني والتي ستكون طويلة.

من يتمعن بتصريحات العبادي التي ذكرناها في هذه الورقة (وفي حال تمسك بها) يصل الى نتيجة حتمية مفادها: كما شهد العراقيون والعالم الدخول (الأبيض) والناجح للقوات العراقية الى محافظة كركوك ليلة الإثنين ، سيشهد العراقيون دخول القوات الإتحادية الى أربيل لأن العبادي كرر ولعشرات المرات عبارة “فرض السلطة في جميع مناطق العراق بضمنها الإقليم” كما أوضحنا سابقاً.

ولكن .. بعد أن تدخل القوات الإتحادية أربيل عليها أن لا تعتقد بأن الأزمة قد إنتهت ، بل أن تحدياً كبيراً مع عنصر المفاجأة سيكونان بالإنتظار ، أبرز تحد وعنصر هو ستقوم بعض العناصر المتشددة بعمليات تفجير وإغتيالات لزعزعة أمن مناطق الإقليم عامة وأربيل خاصة لتوصل رسالة بأن الإقليم كان آمناً والآن بعد دخول القوات الإتحادية أصبح ليس آمناً ، لهذا على الحكومة الإتحادية أن تحسب لهذا الأمر حساباً دقيقاً وأن تقوم بتغييرات سياسية حقيقية قبل الدخول كي لا تعطي مبرراً للعناصر المتشددة.

من هذا المنطلق فإن سارت الأمور على ما خطط له العبادي وفريقه فإنه حتماً لن يجازف بدخول القوات الإتحادية الى أربيل مع وجود بارزاني ، وإنما يريد العبادي دخول أربيل سياسياً أولاً قبل الدخول العسكري ، يريد العبادي أن يعمل تأثيراً سياسياً في أربيل يزيح بارزاني دون أي ضجة وفي حال فشل هذا التحرك السياسي سينتقل العبادي إلى مرحلة جديدة وهي يبدأ بإلغاء مفردة (البعض) التي إعتاد أن يشير بها الى مسعود بارزاني ويبدلها بجملة (قادة الإقليم) وسيأخذ فترة يكرر فيها هذه الجملة ، ثم ينتقل بعد ذلك الى مرحلة جديدة وهي إصدار أوامر قضائية بحق مسعود بارزاني ويجعله مطلوباً للعدالة وهنا سوف يزداد الضغط على بارزاني وسيبدأ العبادي في هذه المرحلة وللمرة الأولى بذكر إسم مسعود بارزاني صراحةً بعد صدور الأوامر القضائية ثم يزداد الضغط الخارجي على مسعود بارزاني وهنا ستبدأ مرحلة جديدة تم توضيحها في هذه الورقة تحت عنوان (مسعود بارزاني والسيناريوهات المرتقبة).

هناك تساؤل مهم بخصوص كركوك … لماذ لم يجعل بارزاني قوات بيشمركة التابعة له هي التي تقف على حدود كركوك وليس قوات بيشمركة التابعة لحزب الإتحاد الكردستاني؟

هناك واقع ذو شقين يجيب عن هذا التساؤل .. الواقع الأول أن قيادات كبيرة من حزب الإتحاد الكردستاني مثل كوسرت رسول ، ملا بختيار ، نجم الدين كريم أبدت ولاءها المطلق لبارزاني وهو يثق بها تماماً ولا يتوقع منها تغيير أوامرها أو أن تخذله وهذا حصل فعلياً حيث دافعت هذه الأسماء بأقوالها عن بارزاني دفاعاً مستميتاً بحيث وصل الأمر أن يصف كوسرت رسول القوات الإتحادية بالمحتل وكمال كركوكي عضو الحزب الوطني الكردستاني قائد قوات بيشمركة محور غرب كركوك قال إنهم “سيلقون القوات الإتحادية درساً لن ينسوه” في إشارة الى معركة ضارية تسيل فيها الدماء ، أما نجم الدين كريم فقد نجح في تعبئة بيشمركة داخل كركوك ووصف القوات الإتحادية بالأعداء وهذا يوجب عليهم كقوة عسكرية أن تواجه (الأعداء) بالسلاح ما يعني إراقة الدماء. ولكن بعد وفاة جلال طالباني وجد حزب الإتحاد الوطني الكردستاني فرصة في إعادة ترتيب أوراقه وكسر سيطرة بارزاني من خلال الإتفاق مع الحكومة الإتحادية هذا من طرف ، والطرف الآخر أن الحكومة الإتحادية وقعت إتفاقاً سابقاً مع قوات بيشمركة التابعة لحزب الإتحاد الوطني الكردستاني يقضي بإنسحاب جميع قوات بيشمركة وتسليم المواقع الى الحكومة الإتحادية حال الإنتهاء من عمليات تحرير نينوى وهنا طالبت الحكومة الإتحادية تلك القوات بالإلتزام وتنفيذ تلك الإتفاقية وفعلاً نفذت قوات بيشمركة الإتفاق.

الشق الثاني يمكن أن يفسر على أنه نوع من أنواع الفخ وهو أن بارزاني لم يجعل قوات بيشمركة التابعة له تقف مكان قوات بيشمركة التابعة لحزب الإتحاد الوطني الكردستاني كي يجعل من قوات بيشمركة التابعة لحزب الإتحاد الوطني الكردستاني الخط الأول للمواجهة العسكرية وبعد أن تكون هناك مواجهة عسكرية يقوم هو بإعطاء الأوامر بوقف القتال ليكون صاحب فضل على الحكومة الإتحادية وأنه ليس راضياً على هذا القتال وبهذا ينكسر حزب الإتحاد الوطني الكردستاني ويصبح الحزب الديمقراطي الكردستاني هو الحزب المقرّب من الحكومة الإتحادية ، لهذا لم يجعل حزب الإتحاد الوطني الكردستاني من نفسه فخاً يكون فيه الخاسر الأوحد وفضّل أن يكون الى جانب الحكومة الإتحادية بإعتبارها السلطة الرسمية التي لا يمكن مجابهتها تحت أي ظرف.

بقي أن نجيب عن تساؤل طرحناه سابقاً في هذه الورقة ألا وهو إذا كان القضاء العراقي أصدر يوم الخميس 2017/10/19 أمراً بالقبض على كوسرت رسول نائب مسعود بارزاني لماذا لم يصدر القضاء العراقي أمراً بحق مسعود بارزاني نفسه ؟ .. لو أصدر القضاء العراقي هذا الأمر فإنه سيكون أول تصدع للهرم الذي بناه حيدر العبادي حسب السياسة التي إتبعها حيدر العبادي وحددنا معالمها آنفاً ، وذلك لأن هذا الأمر القضائي في هذه الفترة سيكون بمصلحة بارزاني نفسه حيث يعطي الضوء الأخضر الى بيشمركة التابعة له وهم بالآلآف لأن يقاتلوا دفاعاً عنه حتى آخر قطرة دم ويجعل مؤيديه من الأكراد يلتفون حوله ولهذا فإن هدف العبادي من تأخير إصدار هذا الأمر أن يجعل بارزاني ضعيفاً قدر المستطاع ليكون عاجزاً تماما عن المواجهة وكأن العبادي يقول بداخله (دع الوحش يأكل نفسه بنفسه ) وأن يستمر العبادي في خطوات يفسرها بارزاني بأنها خطوات تهدف إلى إذلاله وإهانته من خلال إصدار أوامر قبض وإستقدام بحق شخصيات تعتبر من قيادات الخط الأول الكردية الى أن يقرر العبادي الوقت المناسب لإستصدار الأمر القضائي بحق بارزاني للمثول أمام القضاء العراقي ولهذا لن تكون أمام بارزاني سوى ورقة واحدة يساوم عليها من أجل حياته ألا وهي أربيل حيث سيقول بارزاني قولته الشهيرة ( إما أربيل أو حياتي ).

* مسعود بارزاني والسيناريوهات المرتقبة: 

يتساءل كثيرون عن سيناريوهات مصير بارزاني التي ستفضي إليها الأحداث ، إذا كان حيدر العبادي صادقاً تماماً في كل ما صرّح به أثناء الأزمة (والموثقة في هذه الورقة) فإن البيانات المتوافرة توصلنا الى حقيقة واحدة وهي أن مصير مسعود بارزاني حدده يوم الأثنين 25 أيلول / سبتمبر 2017 وهو يوم إجراء الإستفتاء .. وكان بمثابة حبل المشنقة الذي لفه مسعود بارزاني بنفسه حول عنقه وأن من يتحكم بشد وإرخاء هذا الحبل هو حيدر العبادي من خلال إستخدام الهرم الإستراتيجي للسياسة المتبعة.

لو لاحظنا أن العبادي لم يستهدف بارزاني شخصياً مباشرة أبداً بل حتى أنه لم يذكر إسمه بتاتاً وإكتفى بمفردة (البعض) للإشارة اليه خاصة في الأسبوع الأول من بعد الإستفتاء ثم توقف عن ذكر هذه المفردة وقلل منها كثيراً في الأيام التالية ، وهنا لا يريد العبادي أن يصور الأزمة بأنها أزمة مع شخص بل هي أزمة وطن بكل أطيافه وعليه أن يتعامل مثل ما يتعامل رجل دولة لا رجل حزب هذا من ناحية ، وهذا يفسرّ لنا الخطوات البطيئة التي إنتقدها كثيرون لكنها ليست بطيئة بل خطوات مدروسة لأن العبادي أدرك أن بعد سيطرة الحكومة الإتحادية على المجال الجوي وعلى محافظة كركوك وباقي المناطق المتنازع عليها فإن كل يوم بعد ذلك يمر على بارزاني يعادل سنة كاملة يتجرع فيها المرّ كل لحظة وهو يرى بأنه بات محصوراً في أربيل التي ستكون مطوقة من جميع الجهات ويواجه ضغوطات داخل وخارج أربيل لا سيما من أطراف كردية أيضاً تضغط بإتجاه تنحيه الأمر الذي لا يتحمله بارزاني أبداً بعد أن قضى سنين يبسط سيطرة كاملة ويعامل فيها كرئيس دولة داخل الإقليم وأدرك هو ومواطنو الإقليم بأنه أصلاً ليس له القدرة على أن يعطي أمراً بإقلاع طائرة فوق الإقليم فضلاً عن أنه فقد كلمته على قوة كبيرة من بيشمركة رفضت أوامره وأطاعت أوامر الحكومة الإتحادية كما أنه فقد السيطرة على نفط كركوك . مسعود بارزاني أدرك الآن أنه حياته في خطر حقيقي وأنه يواجه مصيراً شبه محتوم فإن كان كما وصفه آخرون بأنه ديكتاتور سيقوم بخطوات مفاجئة ومجنونة لإنقاذ حياته أو أنه يبدأ مساومة حقيقية مثل تسليم أربيل بصورة سلمية وتسليم ما بذمته من أموال النفط مقابل حياته مع ضمان عدم محاكمته وأن يبقى في العراق أو أن يُخيّر بالذهاب الى دولتين فقط ستعرضان عليه العيش على أراضيها ألا وهما إيران (مسقط رأسه) أو روسيا التي إحتفظت بالوقوف على مسافة واحدة من جميع الأطراف خلال الأزمة .. إلاّ أنه سيفضل الذهاب الى روسيا على إيران في حال وافقت الحكومة الإتحادية على هذه الصفقة معللة ذلك مقابل حقن دماء العراقيين وخاصة الأكراد ، أما إذا بقي حيدر العبادي مصراً على موقفه وبعد أن وصف بارزاني بكلمة (البعض) بصفات جاءت على لسان العبادي أبرزها ، ديكتاتور ، مجرم ، سارق لأموال الدولة (من خلال تصدير النفط بعيداً عن الحكومة الإتحادية) ، فاسد ، مثير للحقد والكراهية ، خطط لإضعاف العراق ، حامل لشعارات شوفينية ، يريد تحقيق مكاسب حزبية وشخصية ، قام بخطوة غير دستورية وغير شرعية ( الإستفتاء) جرّت البلد الى أزمة حقيقية وضعته على شفا حرب حقيقية تريد دماء أبناء البلد الواحد ، سعى الى فرض الأمور بالقوة ، زعزع أمن الإقليم خاصة والعراق عامة ، مارس نهج صدام ، تفرد بالإقليم وجمّد البرلمان في الإقليم لمدة 22 شهراً وطرد وزراء أكراد إعتبرهم معارضين في خطوة غير ديمقراطية ، قام بتحريض بعض الدول الإقليمية ضد الحكومة الإتحادية .. كل هذه الإتهامات تعطي الضوء الأخضر لرئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي لأن يسير نحو خطوات مدروسة تقرر محاكمة مسعود بارزاني ليواجه مصيره إما بالحكم المؤبد أو الإعدام.

هل هناك مخرج سياسي حقيقي ينقذ مسعود بارزاني؟ 

ذكرنا بأنه إذا كانت الحكومة الإتحادية مصممة على المضي قدماً في إجراءاتها الدستورية حسب تصريحات حيدر العبادي فإن مصير بارزاني سيكون المحاكمة والتي ستنتهي بالحكم عليه بالسجن المؤبد على أقل تقدير أو الإعدام كحد أقصى حيث أن التهم الموجهة ضده ترقى الى هذين الحكمين ، أما إذا تمت المساومة على أربيل من أجل حقن الدماء فربما توافق الحكومة الإتحادية على إتفاق يقضي بالإقامة الجبرية إما في العراق (وأشك أن تقبل الحكومة الإتحادية بذلك حيث ستعتبره مصدراً مقلقاً في المستقبل) أو الإقامة الجبرية في إيران (مسقط رأسه ) أو روسيا ( التي إحتضنت سابقاً والده الملا مصطفى بارزاني) شريطة تسليم جميع أموال النفط التي بذمته.

وللإجابة عن سؤال هل هناك مخرج حقيقي ينقذ مسعود بارزاني؟ .. رغم أن مسعود بارزاني إعتمد على مستشارين غير مؤهلين قدموا له إستشارات مبنية على ركيزتين أساسيتين الأولى الرغبة الذاتية المبنية على حلم القومية الكردية ( وهو حلم يجب أن يُحترم لكن وفق ضوابط حقيقية ) والركيزة الثانية هي أن مستشاريه لم يعارضوا تحقيق رغبتة فأشاروا عليه بما يحب أن يسمع ، ولهذا، الجواب عن هذا السؤال .. نعم .. يوجد مخرجان سياسيان حقيقيان ينقذان مسعود بارزاني من هذا المأزق ما يجعل له حظوظاً قوية في البقاء في العراق ومزاولة العمل السياسي ، لكنني فضلت عدم ذكر هذين المخرجين في هذه الورقة لإعتبارات خاصة وهذا حق طبيعي أتمتع به.

ولهذا، إذا سارت الأمور وفق المعطيات التي تم تحليلها في هذه الورقة (مع إفتراض عدم وجود متغيرات وأن فرضية المتغيرات التي إعتاد عليها محللون سياسيون ضعيفة جداً هنا) فإننا سنصل إلى قناعة تامة عند العبادي بأن لا مخرج سياسياً ينقذ بارزاني ولن يستجيب الى أي متغيرات وهذا يوصل الى أنه لا يمكن أن نشهد جلسة تجمع العبادي وبارزاني على طاولة حوار واحدة لأن العبادي قرر بصورة قطعية أن يزيح بارزاني كلياً من المشهد السياسي الكردي ولا يمكن أن يجلس مع شخص وجه له كل هذه المصطلحات الثقيلة التي ذكرناها آنفاً إلاّ إذا تم تطبيق أحد المخرجين السياسّين اللذين ينقذان بارزاني ولم أكشف عنهما إلا
أننا ننوه مرة أخرى بأن العبادي وفريقه ربما إتخذوا قراراً نهائياً بأنه لا مخرج سياسياً يمكن أن ينقذ بارزاني وإعتبروه أنه ليس الرجل المناسب لهذه المرحلة.

– 4 الإستنتاج :

يتضح من ورقة البحث أن العبادي (إذا ما أصرّ وثبت على موقفه والأرجح أنه سيثبت ) ومن خلال تصريحاته التي وثقتها وناقشتها هذه الورقة أمامه فرصة تاريخية لبسط السلطة الإتحادية على جميع الأراضي العراقية بضمنها الإقليم وأمامه فرصة ذهبية لإعادة رسم العلاقة بين الإقليم والحكومة الإتحادية على ضوء الدستور ووفق المفهوم السياسي الصحيح للفيدرالية لا وفق مفهوم مسعود بارزاني للفيدرالية ، وأن العبادي حتماً سيدخل أربيل سياسياً أولاً وعسكرياً ثانياً ( عسكري بمعنى وجود قوة إتحادية في الإقليم كما نص عليه الدستور ولا نقصد المواجهة العسكرية إلا إذا فرضت عليه فرضاً ولن يضع العبادي نفسه في هذا الموقف وسيحاول الإبتعاد عنه قدر المستطاع ) ويعيد تنظيم أمور الإقليم من خلال تبني إنتخابات حقيقية تفرز قيادات كردية جديدة تلتزم بالدستور وتتعهد بعدم تكرار تجربة بارزاني مستقبلاً وأن ما للسلطة الإتحادية في الإقليم يبقى للسلطة الإتحادية وما للإقليم يبقى للإقليم بحسب ما نص عليه الدستور وأن كرامة المواطن الكردي حالها حال كرامة أي مواطن عراقي في أي محافظة عراقية.

العبادي قرر من خلال سياسته (التي وضحنا معالمها) أن لا يدخل في حوار مع الأكراد من موقع الضعف (كما كان الحال قبل الإستفتاء) بل قرر أن يدخل الحوار من موقع القوة حيث الواقع الذي حققه بعد الإستفتاء بعد إتباعه تلك السياسة وأن الدعم الحقيقي الذي تمتع به من خلال الدستور والذي سخرّ له السلطات الثلاث إضافة إلى الدعم الداخلي والخارجي الإقليمي والدولي والذي لم يتمتع به أي رئيس وزراء عراقي سابق في تاريخ العراق الحديث سخر له كل الإمكانيات لتحقيق بسط السلطة الإتحادية في جميع الأراضي العراقية.

كذلك إتضح لنا من خلال هذه الورقة بأن العبادي ليس من السياسيين الذين يلعبون بالنار بل هو واضح وصريح ويفعل ما يقول وأنه إتخذ قراراً صارماً بأن مسعود بارزاني يجب أن يكون من الماضي وأن المواطنين الأكراد يجب أن يبدأوا مرحلة جديدة وعهداً جديداً مع قيادات كردية بضمنها قيادات شابة تحمل أفكاراً جديدة تجعلهم يعيشون على أرض العراق حياة حرة وكريمة وسعيدة لا يتمتع بعُشرها أيُّ كردي آخر في أي دولة أخرى ليضمن عراقاً موحداً وقوياً وآمناً يواجه تحديات خارجية وقرر أن يبني علاقات إقليمية جديدة ليطوي صفحة العراق الماضي ويشرع بفتح صفحات جديدة لعراق جديد وهذا لن يتم إلاّ باستقرار العراق من الداخل.

د . مظفر قاسم

أستاذ العلوم السياسية

باحث أكاديمي في الشؤون السياسية

All rights reserved for Dr. Mudhaffar Qassim     [email protected]

24 تشرين الأول / أكتوبر 2017

شروط النشر :-

يحق لأي مؤسسة تعليمية أو أي طالب/ طالبة إعتماد الورقة بمثابة مصدر.
يحق لأي شخص أن يستشهد بما جاء في الورقة شفهياً أو تحريرياً شريطة ذكر إسم الورقة وإسم كاتبها .
يحق لأي جهة إعلامية نشر الورقة ومناقشتها شريطة ذكر إسم صاحب الورقة وعدم التحريف أو التأويل.
يحق لأي جهة ترجمة الورقة لأي لغة شريطة أن تكون الترجمة دقيقة ولا يشوب النص أي تحريف أو اي تشويه أو أي حذف.
يحق لأي شخص أو أي جهة مشاركة الورقة على وسائل التواصل الإجتماعي.
يعد مخالفاً لشروط النشر كل من لم يلتزم بالشروط المذكورة آنفاً ويكون معرضاً للمساءلة القانونية في البلد الذي حصلت فيه المخالفة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق