مقالات
أخر الأخبار

بماذا يفكر؟

د مظفر قاسم حسين

نيسان / أبريل 2014

لقد أثار قرار إعتزال مقتدى الصدر المشهد السياسي العراقي ردود أفعال عدّة منها أعتبرت القرار بالمفاجىء أو المستعجل ومنها وصفت القرار بالمؤقت وإنه سيعود بعد ضغط من أنصاره ومريديه ومنها أظهرت ارتياحا عند بعض الاوساط المخالفة له وللتيار الصدري ومنها لم تدرك معنى القرار ولماذا الآن بالتحديد ؟

ولكن ، بماذا يفكر السيد مقتدى الصدر ياترى ؟ هذا هو السؤال الابرز الذي ربما لم يفكر به كثيرون وربما فكروا به ولكن لم يصلوا الى تخمينات قريبة تحل لغز الانسحاب الشخصي لمقتدى الصدر من المشهد السياسي العراقي .

لقد أدرك السيد مقتدى الصدر أمرين مهمين جدا خلال الاعوام التي كان فيها تياره بقيادته مشاركا في العملية السياسية بقوة وله ممثلون في البرلمان ووزراء في الحكومة ، هذه المشاركة العملية بايجابياتها وسلبياتها أعطته خبرة في الواقع السياسي العراقي المرير الذي عاشه بنفسه عن قرب ودخل معتركه العصيب لأكثر من عقد . إن أول أمر أدركه  مقتدى الصدر خلال تجربته السابقة هو أن العملية السياسية في العراق معادلة صعبة ومعقّدة فيها عوامل داخلية صعبة وأخرى خارجية تشاركها ذات الصعوبة أو ربما أقل بقليل لكنها مؤثرة جدا ، ولهذا أيقن الصدر بأن هذه المعادلة لن تُحل خلال السنوات الاربع المقبلة بكل تأكيد وستبقى تدور في ذات الفلك ، وهذا أول أمر بنى عليه الصدر قرار انسحابه الشخصي ، ولنضع بالحسبان أن الذي انسحب من العملية السياسية ليس التيار الصدري كله وإنما فقط السيد مقتدى الصدر تاركا التيار الصدري الذي أسسه بنفسه يمارس نشاطه السياسي الطبيعي كما هو ، فلو كان السيد الصدر يريد إنسحابا تاما من العملية السياسية لأمر بحل التيار الصدري كله وخرج من العملية برمتها كما دخل اليها الّا إنه لم يفعل ذلك وهذا مرهون بالامرين اللذين أدركهما السيد الصدر ليبني عليهما قرار الانسحاب الشخصي .

الامر الثاني الذي أدركه مقتدى الصدر وهو أهم بكثير من الامر الاول بالنسبة له ، لقد أدرك بأن كرسي المرجعية هو الاقوى على كل الصعد ،لهذا فكّر الصدر أن يتفرغ لدراسته كي يهيّء نفسه لان يصبح مرجعا دينيا خلال السنوات المقبلة وبعدها يعود الى العراق ولكن لا يعود بصفة السيد مقتدى الصدر فقط بل بصفة “المرجع السيد مقتدى الصدر” ، وبعد أن يعود كمرجع سيجد أن تياره وأنصاره -وهم مازالو يشاركون في العملية السياسية – بانتظاره وبهذا سيلتفون حوله بصورة أقوى وسيكون السيد الصدر هو المرجع الاكثر تأثيرا في العراق لاعتبارات عدّة منها عائلية ومنها قومية كأن يكون مرجعا من أسرة عراقية يضاف الى ذلك انه سيخالف باقي المراجع الذين لا يحبذون الظهور على وسائل الاعلام على إعتبار أن المرجع له وكلاء في كل مكان وليس من الصعب على أي مقلّد أن ينال جوابا على سؤاله في أي مسألة من المسائل المستحدثة وأن الرسالة العملية للتقليد موجودة وواضحة وأن المرجع هو شخصية دينية لا سياسية كي يظهر في تصريحات على وسائل الاعلام وهو متفرغ للعبادة والاجابة عن أي أسئلة قد ترد أو يمكن لأي مقلّد أن يزوره في بيته ويسأله بنفسه بكل بساطة .لهذا سيقدّم المرجع السيد مقتدى الصدر صورة جديدة عن صورة المرجع الديني التقليدية ، سيكون حاضرا وبقوة في وسائل الاعلام وخاصة خطب الجمعة وغيرها وسيكون أكثر تواصلا وإحتكاكا مع الناس ولا يكتفي بالجلوس في داره كما تفعل أغلب المراجع الدينية في العراق.

لبّ القول أن السيد مقتدى الصدر سيدخل العراق كما دخل الخميني إيران عام 1979 ولكن الفرق أن “المرجع السيد مقتدى الصدر” سيدخل الى العراق بدون ثورة وسيحظى باستقبال حافل يشابه ذلك الاستقبال الذي حظي به الخميني آنذاك، وسيحظى بكرسي المرجعية في العراق ليكون أكثر تأثيرا في المشهد العراقي . هذان الأمران هما اللذان دفعا بالسيد مقتدى الصدر لأن يأخذ قرار الانسحاب الشخصي من العملية السياسية في العراق .

إذا كان هذا السيناريو بالضبط في مخيلة السيد مقتدى الصدر فإن قرار انسحابه يُعد قرارا ذكيّا بامتياز لانه يعرف تماما أن كرسي المرجعية في العراق هو الكرسي الاقوى كما كان كرسي الخميني تماما في إيران وبهذا سيدخل العراق في إحداثيات جديدة تخص الديمقراطية وأشكالها وممارستها وأنماطها وهل سيكون العراق أمام ديمقراطية مجتمع مدني أم أمام (ديمقراطية دينية) جديدة ،

والسؤال المهم الاخر ، في حال عاد “المرجع” السيد مقتدى الصدر الى العراق هل سيكتفي بأن يكون مرجعا دينيا فقط لا يتدخل بالامور السياسية كما تفعل المراجع الدينية الحالية في العراق أو سيكون مرجعا دينيا يمارس السياسة التي خبرها وله تمثيل في مشهدها العراقي ؟ بمعنى لو أن الشعب إختار ممثليه وتمخضت عن هذا الاختيار شخصية رئيس الوزراء الاّ أن المرجع الديني الذي يمارس السياسة لم تعجبه هذه الشخصية فإنه يستطيع تغييره بفتوى واحدة على قصاصة ورق ، وبهذا سيصبح المشهد السياسي العراقي أكثر تعقيدا إذا لم توضع النقاط على الحروف.

ولكن يبقى السؤال الاهم ماذا لو حصل فعلا هذا السيناريو ؟ … تذكروا هذه المقالة بعد سنوات!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق