مقالات

برنامج الرئيس

د مظفر قاسم

حزيران/يونيو 2007

قد يبدو غريبا على أغلب الشعوب العربية ما سيُقرأ الان لانهم لم يشاهدوا من قبل رئيسهم شارحا لهم (برنامجه القيادي) أو رؤيته المستقبلية للبلاد التي سيحكمها ، وهذا بحد ذاته يحتاج الى تفسيرات كثيرة تاريخية ونفسية وسياسية ودستورية ، فيبدو أن مفهوم السلطة والحكم والكرسي والعرش مقلوب عند الغالبية العظمى من بلداننا العربية ، ويبدو أن صورة القائد والحاكم والرئيس والملك والامير وغيرها معكوسة في أدمغة أغلب القادة العرب لاننا من الصعب جدا أن نجد حاكما عربيا يظهر لشعبه بصفة ( الخادم ) لهم ، وفي الجهة المقابلة نجد صعوبة أيضا في طريقة تفكير الشعوب فيبدو أن صورة الحاكم المطبوعة في أدمغتهم هي صورة (العبد والسيد) أما ( الحاكم خادم ) مفقودة تماما لدى الكثير من الشعوب العربية ، وهذا يرجع الى طبيعة مفهوم ( الحاكم والمحكوم ) ، ولأن تاريخـَنا حافلٌ بالعبودية إلى أن تَغيّر في فترة من الزمن بعد ظهور أديان رفضت العبودية والذّل والهوان بالاضافة الى ثقافات جديدة ، لكن يبدو أننا أمام مشكلة جينية تتعلق بالموروثات في الجينات العربية ، فعندما يصبح الشخص حاكما يبدو أن جيناتِه تبدأ بالتغيير التدريجي حتى يكتسب هو صفات السيد فينظر الى الشعب كعبد ٍ ، أما الشعوب فقد تعودت جيناتُها وجُبِلت على مفهوم واحد أن الحاكم هو السيد ويجب عليهم الامتثال لدور العبد المطيع لهذا السيد الذي أمرُهُ واجبُ الطاعة (حسب اعتقادهم) ! ..ولكن يبرز هنا تساؤلٌ محير ينتظر إجابةً من المعنيين ألا وهو متى تتغير جيناتُ الشعوب العربية لتُغَيِّّرَ جينات الحاكم فتمحو صورة العبد والسيد ؟!

يرى الكثيرون أن الغالبية العظمى من القادة العرب لا يمتلكون أصلا أي برنامج قيادي أو رؤى لشعوبهم لذا فأن هذه الظاهرة مفقودة في الوطن العربي الذي يعاني من نواقص كثيرة وبحاجة الى إعادة تأهيل ورؤىً جديدة ترسم مسقبلا زاهرا لابنائه ، وليس ذلك بالصعب فوطننا العربي يملك من الطاقات والثروات المادية والبشرية التي تؤهله لأن يكون في الطليعة ( لو ) كان هناك برنامجٌ عربيٌ موّحد ،
فتصوري أيتها الشعوب العربية لم تجتمع الجامعة العربية ولم تُعقد قمة عربية واحدة لمناقشة مستقبل الامة أو مناقشة برامج ورؤى لمشاريع في البلدان العربية ! بل كل الاجتماعات والقمم تُعقد من أجل حلِّ مشكلة ما أو أزمة ما ، وكأن الجامعة العربية تعمل كمركز لاطفاء الحرائق في المدن التي تكون على أهبة الاستعداد لتلقي اتصالا هاتفيا يبلغهم عن وجود حريق ما فيسرعون الى ذلك المكان لاخماد الحريق (بالرغم من أن دور رجال الاطفاء أفضل بكثير من دور رجال القمم العربية عند الكثيرين )، بمعنى آخر أن دور الجامعة العربية هو دور ترقبي فقط وليس دورا مستقبليا ولهذا تكثر المشكلات والازمات في وطننا العربي لاننا لا نفكر في المستقبل ولا ننظر الى الامام لتفادي أزمات الحاضر..

نحن بحاجة الى قادة ذوي بصيرة يمتلكون شفافية وديبلوماسية وأذهانا ً متقدةً ورؤىً مستقبلية تقود هذة الامة الى برِّ الامان لتكون في الطليعة وتأخذ المكانةَ التي تستحقها ولن يحدثَ هذا الاّ في البدء باعلان ( برنامج الرئيس ) على الملأ ، فمَنْ مِنَ الرؤساء يمتلك الشجاعةَ الكافية للوقوف أمام شعبه ليعلن عن برنامجه ورؤيته المسقبلية في قيادة شعبه ؟ وماهي أهدافه التي يريد تحقيقها للشعب خلال فترة حكمه ؟ والناظر الى خارطة الوطن العربي متفحصا البلدان العربية يرى من الغرابة والعجب أن هناك بلداناً ظل قادتها على سدة الحكم لعشرات السنين وبقي حالها كما هي ، بل قسم منها عاد الى الوراء ! وهنا لا نلومنَّ الاّ الشعوب التي رضيت بذلك ، الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري تعجب على من لا يجد قوت يومه ولا يخرج على الناس شاهرا سيفه ، فيالته كان معنا اليوم ليتعجب على إمم عربية لا تجد قوت يومها وهي خاضعة خانعة ذليلة لحكامها بل ويمجّدونهم ويبجّلونهم ويتغنون بهم ! .. متى ستظهر الشعوب العربية مطالبةً حكامَها ببرنامجهم الذي سيقودهم به على ضوءه ؟ متى ستتضمن الدساتير العربية فقرة خاصة تشترط وجود برنامج لحاكم الدولة يجب طرحه على الشعب علانية ومناقشته مع مستشارين من مختلف الاختصاصات ويجب تنفيذه خلال فترة حكمه والاّ ( الباب يوسع جمل ) ؟

وهنا تبرز تساؤلات في غاية الاهمية ، وفق أيِّ برنامج قيادي يسير العراق الآن يا ترى ؟ برنامج الرئيس أم رئيس الوزراء أم مجلس النواب ؟ من يقود العراق حاليا ؟ ووفق برنامج من ؟ ومتى ستخرج الجماهير العراقية الى الشوارع مطالبة الحكومة العراقية متمثلة برئيس الجمهورية ورئيس الوزراء بإعلان برنامجهما على الشعب العراقي .. وهم يهتفون .. أين برنامج الرئيس ؟ أين برنامج الرئيس ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق