مقالات

الطاقة في العراق بين الحاضر والمستقبل

الدكتور المهندس مظفر قاسم

كانون الثاني / يناير 2011

لاشك أن أمر الطاقة في العراق اليوم لا يـبشـّر بخير مطلقا والاسباب كثيرة منها قديمة لاعوام خلت امتدت آثارها واستفحلت بعد تغيير النظام في العراق عام 2003 ومازالت الطاقة في العراق في تراجع حتى يومنا هذا وربما تكمن المشكلة الحقيقية في تراجع الطاقة في العراق الى عدم وجود استراتيجية حقيقية تعنى بالطاقة في العراق وهذا الامر يقع على عاتق الحكومة بالدرجة الاولى ، ففي عراق ماقبل 2003 كانت احتياجات الطاقة محدودة جدا ومقتصرة على الاحتياجات العادية للناس وخاصة في ظل الحصار الاقتصادي الذي منع العراق من التقدم والتطور لذا لم يفكـّر المسؤولون آنذاك بايجاد استراتيجية حقيقية للطاقة لعدم انفتاح العراق اقتصاديا ولعدم وجود استثمارات حقيقية بالبنى التحتية وكان الشغل الشاغل للحكومة آنذاك ان تصل الطاقة الكهربائية لكل بيت بأي طريقة كانت.

يُعـّد عام 2003 في العراق عام التغيير الشامل ولم يشمل التغيير النظام السياسي في العراق فقط فحسب لكنه شمل جميع مفاصل الدولة وعلى جميع المستويات حتى شمل التغيير المواطن العراقي بكافة الاعمار. وكنتيجة طبيعية شمل التغيير الطاقة في العراق أيضا حيث تضاعفت ” الاحمال Loads ” بسبب تضاعف استخدامات الاجهزة الكهربائية المتـنوعة في البيوت والمحال التجارية والمصانع وغيرها، وهنا وجدت الطاقة نفسها في موقف صعب ومحرج جدا فتخيل بأنك تدعو ألفا من الناس الى وليمة ما ثم تأمر فتى بعمر 10 سنوات ليخدم هؤلاء الالف بمفرده فمن الطبيعي أن يقف عاجزا فالامر يفوق طاقته وقدرته ، ونسأل هنا هل نلوم الفتى لانه عاجز عن هذا الامر أو نلوم الالف شخص لان عددهم يفوق قدرة هذا الفتى ؟ بالطبع لانستطيع أن نلوم أي طرف هنا والحال ينطبق تماما لما يحصل في العراق الان حيث لانستطيع أن نوجه اللوم الى الطاقة الكهربائية لان قدرتها محدودة كقدرة ذلك الفتى فقد عانت اهمالا شديدا بالاضافة الى عدم وجود رؤية مستقبلية للطاقة مع دخول العراق في حروب مدمّرة متكررة والحصار الاقتصادي وكل هذا كان على مدى قرابة ثلاثة عقود من الزمن ، وكذلك لايمكن أن نلوم الناس لانهم وجود طبيعي ولايمكن أن نطالبهم بالترشيد فبعد ان كُبتوا أعواما عدة وحُرموا من أبسط حقوقهم المدنية يريدون بعد التغيير الشامل والانفتاح أن يستمتعوا بحقوقهم ليشعروا بانسانيتهم وان يواكبوا التكنولوجيا التي حُرموا منها عقودا طويلة ، فالمطالبة بترشيد الاستهلاك في هذا الوقت يعتبر مطلبا غير عادل وغير منطقي بالنسبة لهم.

بعد أن كانت الطاقة في العراق قبل 2003 تسد احتياجات الناس والمصانع والمستشفيات وغيرها وجدت نفسها بعد 2003 عاجزة تماما عن تلبية تلك الاحتياجات وهذا أمر طبيعي جدا لانها واجهت مطالب عدة أهمها :
أولا : احتياجات الناس التي تضاعفت مرات عدة عن ذي قبل.
ثانيا : احتياجات المصانع والمستشفيات والمحال التجارية وغيرها.
ثالثا : احتياجات الاعمار في العراق.
رابعا : احتياجات الاستثمار في العراق.

نظرة سريعة :

– عانى العراق من نقص انتاج الطاقة الكهربائية منذ عام 1990 لكنه سرعان ما تجاوز النقص ليصل الى حد الطاقة الملباة فقط.
– إثـر الحصار الاقتصادي المفروض على العراق عاد النقص في انتاج الطاقة عام 1994.
– عام 1996 استمر التدهور في إنتاج الطاقة الكهربائية وتوزيعها وقامت وزارة الكهرباء (هيئة الكهرباء آنذاك) بتحديد صرف الطاقة الكهربائية ورفعت سعر مبيعات الوحدات الكهربائية للمواطنيين والتجّار والصناعيين والزراعيين وغيرهم .
– استمر القطع المبرمج بعد عام 2000 ليشمل جميع محافظات القطر وكانت أحياء واسعة من مدينة بغداد معفاة من هذا القطع لخصوصية العاصمة.
– بعد عام 2003 بدأ النقص الحاد للطاقة نتيجة الحروب والدمار والارهاب يضاف الى ذلك التقادم العمري الذي لحق بمحطات توليد الطاقة الكهربائية رافقه تضاعف الطلب على الطاقة في الوقت ذاته فكيف لقدح من الماء أن يروي آلاف الاشخاص؟. يضاف الى ذلك ارتفاع عامل التزامن للأحمال ( factor ks Simultaneity) الى الرقم 1 بعد أن كان يتراوح مابين 0.6 الى 0.65
– لغاية العاشر من تموز 2007 وفرّت شبكة الكهرباء الوطنية مانسبته حوالي 33.33 % من اجمالي الطلب على الطاقة الكهربائية للمواطنين علما ان مدينة بغداد وحدها تستهلك مانسبته حوالي 20% من مجموع هذه الطاقة.
– وفي سنة 2011 مازال العراق يواجه النقص الحاد في الطاقة ولم يصل بعد الى حد الطاقة الملباة لسدّ احتياجات المواطنين علما أن التقديرات الحالية تشير الى ان الطاقة الملباة في العراق هي 14 ألف ميغا واط ومازال العراق لغاية هذه اللحظة يلبي حوالي نصفها “وليس بصورة مستمرة” من خلال الانتاج المحلي مع الطاقة المستوردة من البلدان الاخرى والتي تستنزف ميزانية الدولة دون حل جذري للمشكلة.
نؤكد مرة أخرى أن أهم سبب لتردي الطاقة في العراق هو عدم وجود استراتيجية حقيقية للطاقة في العراق والتي يجب أن تتبناها الدولة من خلال خبراء في الطاقة كي يعتمدوا استراتيجية ثابتة للطاقة لا أن تكون استراتيجية قصيرة الامد بل طويلة الامد وأن تلتزم الدولة بهذه الاستراتيجية ، وفي مجمل الحال فان العراق بحاجة الان الى استراتيجيتين للطاقة الاولى قصيرة الامد كي تلبي حاجات الناس ، واستراتيجية طويلة الامد كي تلبي حاجات ومتطلبات العراق المستقبلية عموما لاسيما لتحسين الاقتصاد وتفعيل الاستثمار والاعمار ويجب أن نعلم جيدا بأن أي بلد اذا أراد أن يتقدم ويزدهر فعليه أن يبدأ بالطاقة فهي عنوان ازدهار البلدان ، ولاننسى أن الفساد الاداري والمالي حال هو الاخر دون تحسين الطاقة في العراق.

يتذكرني كثيرون من خلال تقديمي برنامجي التلفزيوني “معا نبني الوطن” الذي يُعدّ أول برنامج يُعنى بمسيرة البناء والاعمار والاستثمار والاقتصاد في العراق “من فكرتي وإعدادي وتقديمي” كيف أنني طرحت موضوع الطاقة في العراق منذ أول حلقة منه بداية عام 2004 وامتد طرحي لموضوع الطاقة لعشرات الحلقات فالاعلام وفـّر لي هذه الفرصة الثمينة لمناقشة أمر الطاقة في العراق وخرج البرنامج بحلول هندسية وعملية عدة لكن للأسف نظرا للظروف السياسية المضطربة في العراق آنذاك لم يتسنى للمسؤولين الاخذ بها ولو تم اعتمادها لكان العراق تجاوز معضلة الطاقة منذ أعوام عدة ، وبجانب عملي في مجال الاعلام بقيت حريصا ومواضبا جدا على دراستي الهندسية حتى حصولي على شهادة الدكتوراه في الطاقة المتجددة من لندن وبقيت ومازلت حريصا ومتابعا بصورة مثابرة لامر الطاقة في العراق.

شاركتُ عشرات المرات خلال الاعوام الماضية في مؤتمرات وندوات أجنبية وعربية داخل وخارج بريطانيا تعنى بالطاقة ، وللأسف لم يطرح امر العراق في تلك المؤتمرات والندوات بتاتا وكذلك لم أجد شخصية رسمية تمثـل العراق قد شاركت في هذه المؤتمرات ، وكنت أحسّ باللوعة والالم والحرقة لانني أحمل جرح العراق في تلك المؤتمرات التي تناقش أمر الطاقة لدول متقدمة وأخرى تريد أن تتقدم ولكن لايوجد أي أثر للعراق.

إن أمر الطاقة في العراق مرهون بالارادة السياسية فإن أرادت الحكومة في العراق تحسين وضع الطاقة لابد من أن تتحرك ارادتها السياسية نحو ذلك وتبادر بأمور عدة ، وكنت خلال الاعوام الماضية ومازلت منشغلا بمقترحات تحسين الطاقة في العراق ووصلت الى جملة من المقترحات والحلول العلمية لتحسين الطاقة ” ليس من المناسب ذكرها هنا ” لكنها مقترحات لو طبقت حقا لتجاوز العراق أزمة الطاقة في غضون فترة قصيرة ولكن تبقى الارادة السياسية في العراق هي العامل الرئيس لتفعيل المقترحات والحلول.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق