مقالات

الاعلام .. الهدف.. الرؤية

د مظفر قاسم

شباط/ فبراير 2008

تنقسم السلطات في المجتمع المدني الحديث الى ثلاث سلطات .. تشريعية .. قضائية .. تنفيذية ، أما السلطة الرابعة في هذه المجتمعات المتحضرة فلا جدال أنها من حصة الاعلام ، يتربع عليها دون منافسة او انتخابات ، محجوزة له دون منازع ، أيقن بهذه الحقيقة العارفون ، وأنكر بها القاسطون .
الاعلام .. تلك السلطة التي يمكن أن تقلب حكومات وتقيم الدنيا ولاتقعدها الا بمزاجها ذلك أن هذه السلطة بالذات هي اقرب السلطات الى المواطن بل وفي تماس مباشر معه ويكاد المواطن أن يُصبح ويُمسي عليها ، حتى يقال ان في بعض الدول العربية والغربية لايعرفون أسماءَ بعض وزراءهم لكنهم يحفظون جيدا كثيرا من أسماء اعلاميين … ليس هذا المثال نوعا من أنواع المدح بل على الشخص أن يعرف من يؤثر على مصيره ومستقبله من وزراء وسياسيين وغيرهم ، لكنه مثال لتوضيح مدى قوة تأثير السلطة الرابعة (الاعلام) على الناس مقارنة بتأثير باقي السلطات فيهم.
ولكن هل نستطيع أن نسمي كل ماموجود في الفضائيات والاذاعات والصحف اعلاما؟ … هنا لابد من وضع النقاط على الحروف … فكلمة الاعلام لها معنيان .. معنى لغوي ومعنى اصطلاحي .. مثل كلمة الصوم تماما ، فالمعنى اللغوي لكلمة الصوم هو (القطع) ولكن الصوم اصطلاحا يحمل كل ما يحمل من معاني حقيقية لفحوى الصيام واسسه وصحته وبطلانه وغير ذلك ..الاعلام لغة يشمل تعريف الاعلام المتعارف عليه وهذا ينطبق على كل الفضائيات والاذاعات والصحف وغيرها من وسائل اعلامية .. أما الاعلام اصطلاحا ..وهو مدار البحث هنا.. هو ذلك الاعلام الذي يختزل كثيرا من الفضائيات والاذاعات والصحف ويغربلها غربلة دقيقة جدا فلا ينفذ من غرباله الا ما ينفع الناس فذلك هو الاعلام الهادف .. فما معنى أن يكون لنا اعلام هادف ؟ وكيف نحصل عليه ؟
الاعلام الهادف اعلام نبيل يحمل رسالة نبيلة للغاية قلّ من يحملونها ، مستوحش طريقه لقلة سالكيه ، هذه الرسالة ليست رسالة شخصية بل رسالة انسانية تنظر الى الناس بعين واحدة ، وتقف من جميعهم على مسافة واحدة ، وتسمع لهم بأذن واحدة وقلب واحد ، وتتحدث عنهم بلسان واحد .. وهذا ليس بالامر اليسير .. فرضا الناس غاية لاتدرك.
ولكن .. كي نحصل على اعلام هادف فيجب أن تكون هناك .. رؤية .. هذه الرؤية تنظر بعينين .. عين اليوم وعين والمستقبل .. وليس المستقبل المقصود هنا بالقريب بل المستقبل البعيد والبعيد جدا .. وبهذا يكون صاحب المؤسسة الاعلامية قد أسس بنيانه على أرض صلبة وزرع بذرة اعلامية طيبة صارت شجرة (أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين) ..
الهدف والرؤية أساس كل مؤسسة اعلامية ولاينفصل أحدهما عن الاخر ..فدون الهدف تسقط الرؤية ودون الرؤية يضيع الهدف أو يتلاشى مع مرور الزمن .. والتحدي الحقيقي في الاعلام ليس في كيفية ان تكون ناجحا بل التحدي الحقيقي كيف تحافظ على مرتبة النجاح وتنتقل الى مراتب أعلى للنجاح .. ومرتبة النجاح هذه كي تصلها يجب أن تسير في طريق شاقة تحتاج فيها الى الخبرة والمثابرة والجهد والكفاءة والعلم والامانة والمال … ومن أجل ذلك فليتنافس المتنافسون.
ينقسم الاعلام في العراق الى أقسام عدة ولكن قد يكون أشهرها الاعلام الموجّه والاعلام الهادف ، والامر هنا متروك الى السادة المتابعين لفرز وتقييم المؤسسات الاعلامية والاخيرة ايضا يمكن أن تسأل نفسها ..من أي قسم هي ؟ ومن حسن حظ الاعلام أنه ولد حرا ويبقى حرا لانه من صنع الخالق الذي خلقه ومن خلاله أعلم البشرية بكتبه وبالاديان ، فلا يعتقدن أحد بأن الاعلام صنيعة البشر فالاعلام حر والحر لا يُستعبد ابدا وان يُستـَعبد فلن يدوم هذا الاستعباد وسينتهي مع نهاية المستعبـِد له فيعود حرا ، ولن يموت الاعلام الى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا ، هذه الحقيقة قد تبدو مرة على الكثيرين ولكن يجب أن يعترفوا بها كما يعترفوا بحقيقة الموت تماما وحقيقة أن السلطة زائلة حتما.
يذكر أن عبد الملك بن مروان كان يتمشى ذات يوم في قصره العريض وهو ينظر اليه ويتفكر في ملكه وسلطانه ، فوصل عند جارية له فقال ( ما أحلى الحياة لولا الموت) ، فقالت له الجارية (يا أمير المؤمنين إنما الحياة ما حليت الا بالموت) في اشارة منها له بانه لولا الحاكم الذي قبلك قد غيّبه الموت عن الحكم ماصرت انت بمكانه الان .. بهذه الحقيقة يجب أن يسلم كل من بيده سلطة ، ولو علمت بعض الحكومات علم اليقين معنى الاعلام لعرفت جيدا بأن الاعلام كالبحر .. من جهله غرق فيه فانطمر ، ومن عرفه وفهمه فله الخيار بأن يطفو عليه ويستمتع في التنقل من مكان لآخر أو أن يغوص في أعماقه ويستمتع في أسراره ومكنوناته وبهذا يكون قد ملك البحر بسطحه وقعره فهنيئا له بذلك ، وان ارادت السلطة في البلدان المتحضرة الاحترام ، فعليها احترام الاعلام اولا ولن يكون ذلك الا بالايقان التام والاعلان الصريح بأن الاعلام هو السلطة الرابعة في البلاد ، وبذلك تكون السلطة قد كسبت كثيرا وعلى صعد عدة ، اما الاعلام فلن ينال من هذا الاعتراف الا العبء والمسؤولية والامانة ليخدم بهم الشعب .. ولكن .. بعيدا عن الاعلام الموجّه ومع الاعلام الهادف ذي الرؤية البعيدة .. فالرؤية بالنسبة للاعلام محل العقل والعين من الجسد كي تسير هذه الوسيلة نحو طريق واضحة المعالم والاهداف…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق